قال الشيخ الإمام: الكلام في هذا الباب أربعة أضرب أحدها في تفسير
ـــــــ
اعلم أن العلماء اختلفوا في جواز التمسك بالترجيح عند التعارض ووجوب العمل بالراجح فقال بعضهم الواجب عند التعارض التوقف أو التخيير دون الترجيح لقوله تعالى: {فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ} [الحشر: 2] فقد أمر بالاعتبار, والعمل بالمرجوح اعتبار. وقوله عليه السلام"ونحن نحكم بالظاهر"والحكم بالمرجوح حكم بالظاهر; ولأن الأمارات الظنية لا تزيد على البينات, والترجيح غير معتبر في البينات حتى لم ترجح شهادة الأربعة على شهادة الاثنين فكذا في الأمارات وذهب الجمهور إلى صحة الترجيح ووجوب العمل بالراجح متمسكين في ذلك بإجماع الصحابة والسلف على تقديم بعض الأدلة الظنية على البعض إذا اقترن به ما يقوى به على معارضة فإنهم قدموا خبر عائشة رضي الله عنها في التقاء الختانين على خبر من روى أن:"لا ماء إلا من الماء", وقدموا أيضا من روت من أزواجه أنه عليه السلام كان يصبح جنبا, وهو صائم على ما روى أبو هريرة عن الفضل بن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم - ورضي عنهم -:"من أصبح جنبا فلا صيام له". وقوى علي خبر أبي بكر رضي الله عنهما فلم يحلفه وحلف غيره وقوى أبو بكر رضي الله عنه خبر المغيرة في ميراث الجدة لما روى معه محمد بن مسلمة إلى غير ذلك مما يكثر تعداده; ولأن العقلاء يوجبون العمل بالراجح بعقولهم في الحوادث, والأصل تنزيل الأمور الشرعية على وزان الأمور العرفية لكونه أسرع إلى الانقياد ولهذا قال عليه السلام:"ما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن"والجواب عن تمسكهم بالآية أن مقتضاها وجوب النظر, وليس فيها ما ينافي القول بوجوب العمل بالراجح, وعن احتجاجهم بالسنة منع كون المرجوح ظاهرا; لأن الظاهر هو ما ترجح أحد طرفيه على الآخر والمرجوح مع الراجح ليس كذلك وعن تعلقهم بمسألة الشهادة ما سيأتي. واعلم أيضا أن الترجيح إنما يقع بين المظنونين; لأن الظنون تتفاوت في القوة, ولا يتصور ذلك في معلومين إذ ليس بعض العلوم أقوى من بعض, وإن كان بعضها أجلى وأقرب حصولا, وأشد استغناء عن التأمل, ولذلك قلنا إذا تعارض نصان قاطعان فلا سبيل إلى