فإذا صار المراد مشتبها على وجه لا طريق لدركه حتى سقط طلبه ووجب اعتقاد الحقية فيه سمي متشابها بخلاف المجمل فإن طريق دركه متوهم وطريق درك المشكل قائم فأما المتشابه فلا طريق لدركه إلا التسليم فيقتضي اعتقاد الحقية قبل الإصابة, وهذا معنى قوله تعالى: {وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ} [آل
ـــــــ
منقطع من لا طريق, قبل الإصابة أي قبل يوم القيامة فإن المتشابهات تنكشف يوم القيامة, وهذا أي ما ذكرنا من تفسير المتشابه, وهو الذي لا طريق لدركه أصلا قوله:"وعندنا لا حظ للراسخين إلا التسليم"استثناء متصل من لا حظ أي ليس له موجب سوى اعتقاد الحقية فيه والتسليم, وعلى بمعنى مع, وهذا بيان حكم المتشابه, وأن الوقف معطوف على قوله لا حظ, وفي بعض النسخ وعندنا أن لا حظ, وهو أصح واختلفوا في أن الراسخ في العلم هل يعلم تأويل المتشابه فذهب عامة السلف من الصحابة والتابعين رضي الله عنهم إلى أنه لا حظ لأحد في ذلك; وإنما الواجب فيه التسليم إلى الله تعالى مع اعتقاد حقية المراد عنده. وهو مذهب عامة متقدمي أهل السنة والجماعة من أصحابنا وأصحاب الشافعي, وهو مختار المصنف وإليه أشار بقوله وعندنا, وعلى هذا الوقف على قوله إلا الله واجب لأنه لو وصل فهم أن الراسخين يعلمون تأويله فيتغير الكلام, وذهب أكثر المتأخرين إلى أن الراسخ يعلم تأويل المتشابه وأن الوقف على قوله والراسخون في العلم لا على ما قبله والواو فيه للعطف لا للاستئناف, وهو مذهب عامة المعتزلة, قالوا لو لم يكن للراسخ حظ في العلم بالمتشابه إلا أن يقولوا آمنا به كل من عند ربنا لم يكن لهم فضل على الجهال; لأنهم يقولون ذلك أيضا, قالوا ولم يزل المفسرون إلى يومنا هذا يفسرون ويؤولون كل آية ولم نرهم وقفوا عن شيء من القرآن وقالوا هذا متشابه لا يعلمه إلا الله بل فسروا الكل, وقال ابن عباس رضي الله عنهما أعلم كل القرآن إلا أربعة: الغسلين والحنان والرقيم والأواه ثم روي عنه أنه علم ذلك. وروي عنه أنه كان يقول الراسخون في العلم يعلمون تأويل المتشابه وأنا ممن يعلم تأويله وقد اشتهر عن الصحابة