وأما أهلية الأداء فنوعان قاصر وكامل أما القاصر فيثبت بقدرة البدن إذا كانت قاصرة قبل البلوغ وكذلك بعد البلوغ فيمن كان معتوها لأنه بمنزلة الصبي لأنه عاقل لم يعتدل عقله وأصل العقل يعرف بدلالة العيان, وذلك أن يختار المرء ما يصلح له بدرك العواقب المشهورة فيما يأتيه ويذره, وكذلك القصور يعرف
ـــــــ
قوله وأما أهلية الأداء عطف على قوله أما أهلية الوجوب في أول الباب المتقدم فإنه قسم الأهلية هناك إلى نوعين ثم فصل كل نوع فقال أما أهلية الوجوب فكذا وأما أهلية الأداء فكذا, فكلمة أما هذه للتفصيل قاصر كامل أي نوع قاصر ونوع كامل أما القاصر أي النوع القاصر فيثبت بكذا لا خلاف أن الأداء يتعلق بقدرتين قدرة فهم الخطاب وذلك بالعقل وقدرة العمل به وهي بالبدن, والإنسان في أول أحواله عديم القدرتين لكن فيه استعداد وصلاحية لأن يوجد فيه كل واحدة من القدرتين شيئا فشيئا بخلق الله تعالى إلى أن يبلغ كل واحدة منهما درجات الكمال فقبل بلوغ درجة الكمال كانت كل واحدة منهما قاصرة كما يكون للصبي المميز قبل البلوغ وقد تكون إحداهما قاصرة كما في المعتوه بعد البلوغ فإنه قاصر العقل مثل الصبي وإن كان قوي البدن ولهذا ألحق بالصبي في الأحكام.
فالأهلية الكاملة عبارة عن بلوغ القدرتين أولى درجات الكمال وهو المراد بالاعتدال في لسان الشرع والقاصرة عبارة عن القدرتين قبل بلوغهما أو بلوغ أحديهما درجة الكمال ثم الشرع بنى على الأهلية القاصرة صحة الأداء وعلى الكاملة وجوب الأداء وتوجه الخطاب لأنه لا يجوز إلزام الأداء على العبد في أول أحواله إذ لا قدرة له أصلا وإلزام ما لا قدرة له عليه منتف شرعا وعقلا وبعد وجود أصل العقل, وأصل قدرة البدن قبل الكمال في إلزام الأداء حرج لأنه يحرج للفهم بأدنى عقله ويثقل عليه الأداء بأدنى قدرة البدن والحرج منفي أيضا لقوله تعالى: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} [الحج: 78] .