فهرس الكتاب

الصفحة 953 من 2201

"باب بيان أسباب الشرائع"

اعلم أن الأمر والنهي على الأقسام التي ذكرناها إنما يراد بها طلب الأحكام

ـــــــ

"باب بيان أسباب الشرائع"

أي بيان الطرق التي تعرف بها المشروعات. قال عامة أصحابنا وبعض أصحاب الشافعي وعامة المتكلمين إن لأحكام الشرع أسبابا تضاف إليها والموجب للحكم في الحقيقة والشارع له هو الله تعالى دون السبب; لأن الإيجاب إلى الشرع دون غيره, وهو اختيار الشيخ أبي منصور رحمه الله فإنه ذكر في مأخذ الشرائع أن أوقات الصلاة أسباب لوجود العبادات., وقال جمهور الأشعرية للعقوبات وحقوق العباد أسباب يضاف وجوبها إليها فأما العبادات فلا تضاف إلا إلى إيجاب الله تعالى وخطابه.

وأنكر بعضهم الأسباب أصلا, وقالوا الحكم في المنصوص عليه يثبت بظاهر النص, وفي غير المنصوص عليه يتعلق بالوصف الذي جعل علة, ويكون ذلك أمارة لثبوت الحكم في الفرع بإيجاب الله تعالى, وإثباته متمسكين في ذلك بأن الموجب للأحكام والشارع لها هو الله جل جلاله كما أن موجب الأشياء المحسوسة وخالقها هو الله سبحانه, وصفة الإيجاب صفة خاصة له لا يجوز اتصاف الغير بها كصفة التخليق فكان في إضافة الإيجاب إلى الأسباب قطعه عن الله سبحانه, وذلك لا يجوز لكنه تعالى جعل بعض أوصاف النص علامة, وأمارة على الحكم في الفروع فيقال أسباب موجبة أو علل موجبة مجازا لظهور أحكام الله تعالى عندها. وبأن الأسباب في أفعال العباد بمنزلة الآلات والجوارح السليمة باعتبار أن قدرة العباد ناقصة لا يظهر أثرها في المحال إلا بأسباب وآلات فيكون عملها في تتميم القدرة الناقصة, والله تعالى موصوف بالقدرة التامة فلا يجوز أن يتعلق وجوب أحكامه ووجودها بالأسباب حقيقة. وبأن الأسباب كانت موجودة قبل الشرع, ولا أحكام معها, وقد توجد بغير الشرع أيضا بلا أحكام كما في المجانين والصبيان وغيرهم, ولو كانت عللا للأحكام لم يتصور انفكاكها عن الأحكام كما في العلل العقلية فإن الكسر لا يتصور بدون الانكسار, والدليل على أن العباد لا تجب على من لم تبلغه الدعوة, وهو الذي أسلم في دار الحرب, ولم يهاجر إلينا, ولو كان الوجوب بالأسباب دون الخطاب لوجب عليه العبادات لتحقق الأسباب في حقه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت