قال الشيخ الإمام رحمه الله الخبر المتواتر الذي اتصل بك من رسول الله صلى الله عليه وسلم اتصالا بلا شبهة حتى صار كالمعاين المسموع منه وذلك أن يرويه
ـــــــ
فمن القسم الأول الخبر المتواتر, وهو خبر جماعة مفيد بنفسه العلم بصدقه, وقيد بنفسه ليخرج الخبر الذي عرف صدق القائلين فيه بالقرائن الزائدة كخبر جماعة وافق دليل العقل أو دل قول الصادق على صدقهم. والتواتر لغة تتابع أمور واحدا بعد واحد مأخوذ من الوتر يقال تواترت الكتب أي جاءت بعضها في إثر بعض وترا وترا من غير أن تنقطع, ومنه جاءوا تترى أي متتابعين واحدا بعد واحد., وإنما قيد الشيخ المتواتر بقوله اتصل بك من رسول الله صلى الله عليه وسلم; لأنه في بيان المتواتر من السنة إذ هو في بيان أقسامها فأما تعريف نفس المتواتر بالنظر إلى ذاته فلا يحتاج إلى هذا القيد كالخبر عن البلدان القاصية والملوك الماضية.
ثم اتفقوا على أن من شرطه تكثر المخبرين كثرة تمنع صدور الكذب منهم على سبيل الاتفاق وعلى سبيل المواضعة, وهو معنى قوله لا يتوهم تواطؤهم أي توافقهم على الكذب, وأن يكونوا عالمين بما أخبروا علما يستند إلى الحس لا إلى غيره كدليل العقل مثلا فإن أهل بغداد لو أخبروا عن حدث العالم لا يحصل لنا العلم بخبرهم. وأن يكون المخبرون في الطرفين والوسط مستوين في هذه الشروط أعني في الكثرة والاستناد, وإليه أشير بقوله ويدوم هذا الحد.
واختلفوا في أقل عدد يحصل معه العلم فقيل هو خمسة; لأن ما دونها كأربعة بينة شرعية يجوز للقاضي عرضها على المزكين ليحصل غلبة الظن, ولو كان العلم حاصلا بقول الأربعة لما كان كذلك.
وقيل اثنا عشر بعدد نقباء بني إسرائيل فإنهم خصوا بذلك العدد لحصول العلم بقولهم.
وقيل أربعون بقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ}