قوم لا يحصى عددهم, ولا يتوهم تواطؤهم على الكذب لكثرتهم وعدالتهم وتباين أماكنهم ويدوم هذا الحد فيكون آخره كأوله, وأوسطه كطرفيه وذلك مثل نقل القرآن والصلوات الخمس, وأعداد الركعات ومقادير الزكوات وما أشبه
ـــــــ
"الأنفال: 64", وكانوا أربعين فلو لم يفد قولهم العلم لم يكونوا حسبا لاحتياجه إلى من يتواتر به أمره. وقيل سبعون لقوله تعالى: {وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقَاتِنَا} "الأعراف: 155"وإنما خصهم لما مر.
ولا يخفى أن هذه تحكمات فاسدة, وأن ما تمسكوا به ليس شبهة فضلا عن حجة; لأنها مع تعارضها وعدم مناسبتها المطلوب مضطربة إذ ما من عدد يفرض حصول العلم به لقوم إلا ويمكن أن لا يحصل به لآخرين وللأولين في واقعة أخرى, ولو كان ذلك العدد هو الضابط لحصول العلم لما اختلف والصحيح أنه غير منحصر في عدد مخصوص. وضابطه ما حصل العلم عنده فبحصول العلم الضروري يستدل على أن العدد الذي هو كامل عند الله تعالى قد توافقوا على الأخبار لا أنا نستدل بكمال العدد على حصول العلم. والدليل على أنه غير مختص بعدد أنا نقطع بحصول العلم بالخبر المتواتر من غير علم بعدد مخصوص أصلا بل لو كلفنا أنفسنا معرفة ذلك العدد الحالة التي يكمل فيها لم نجد إليها في العادة سبيلا; لأنها تحصل بتزايد الظنون على تدريج خفي كما يحصل كمال العقل بالتدريج, وكما يحصل الشبع بالأكل, والري بالماء والسكر بالخمر بالتدريج والقوة البشرية قاصرة عن الوقوف على مثل ذلك.
ثم لفظ الكتاب يشير إلى شروط بعضها متفق عليه وبعضها مختلف فيه بقوله لا يتوهم تواطؤهم, وقوله ويدوم هذا الحد يشير كل واحد إلى شرط متفق عليه كما ذكرنا. وقوله وذلك أي صيرورته بمنزلة المسموع أن يرويه قوم لا يحصى عددهم يشير إلى اشتراط خروج عدد المخبرين عن الإحصاء والحصر, وإليه ذهب قوم; لأنهم متى كانوا محصين كان لإمكان التواطؤ مدخل في خبرهم عادة فشرط خروجهم عن الإحصاء والحصر دفعا لذلك الإمكان وذهب الجمهور إلى أنه ليس بشرط فإن الحجيج أو أهل الجامع لو أخبروا عن واقعة صدتهم عن الحج أو عن الصلاة يحصل العلم بخبرهم مع كونهم محصورين. وقوله:"وعدالتهم"يشير إلى اشتراط الإسلام والعدالة كما قاله; لأن الإسلام والعدالة ضابطا الصدق والتحقيق, والكفر والفسق مظنتا الكذب والمجازفة فشرط عدمهما. وعند العامة ليس بشرط للقطع, وقوله"وتباين أماكنهم"أي تباعدها