ذلك, وهذا القسم يوجب علم اليقين بمنزلة العيان علما ضروريا, ومن الناس من أنكر العلم, بطريق الخبر أصلا, وهذا رجل سفيه لم يعرف نفسه, ولا دينه, ولا دنياه ولا أمه, ولا أباه مثل من أنكر العيان, وقال قوم إن المتواتر يوجب علم طمأنينة لا
ـــــــ
يشير إلى اشتراط اختلاف بلدانهم أو أوطانهم ومحلاتهم, وهو مختار البعض; لأنه أشد تأثيرا في دفع إمكان التواطؤ. وعند الجمهور لا يشترط ذلك أيضا لحصول العلم بأخبار متوطني بقعة واحدة أو بلدة واحدة; ولأن اشتراط الكثرة إلى كمال العدد كما بينا يدفع هذا الإمكان. وكأن الشيخ إنما أشار إلى هذه المعاني; لأنها أقطع للاحتمال, وأظهر في الإلزام على الخصوم, لا لأنها شرط حقيقة بحيث يتوقف ثبوت العلم بالتواتر عليها بل الشرط فيه حقيقة ما ذكرناه بدءا. والدليل عليه أنه أجاب عن أخبار المجوس, وأخبار اليهود بأن استواء الطرفين لم يوجد, ولم يجب بأنهم كانوا كفرة فلا يكون تواترهم موجبا للعلم حتى صار كالمعاين المسموع منه أي حتى صار هذا الخبر بمنزلة ما إذا عاينت الرسول عليه السلام وسمعته منه بحاسة سمعك, وليس لفظ المعاين في سائر الكتب والمذكور في التقويم, ومتى ارتفعت الشبهة ضاهى المتصل منه بك بحاسة سمعك., ولو قيل كالمعاين والمسموع لكان أحسن, ويحتمل أنه إنما ذكر لفظ المعاين; لأن سماع الكلام مع معاينة المتكلم والنظر إلى وجهه أقرب إلى الفهم من السماع بدون معاينته, وكان ينبغي على هذا أن يصف المتكلم بالمعاين دون الكلام إلا أنه جعل حركة الشفة التي تدرك بالبصر بمنزلة الكلام فيصح بهذا الطريق وصف الكلام بكونه معاينا كما يصح وصفه بكونه مسموعا, وما أشبه ذلك مثل أروش الجنايات, وأعداد الطواف والوقوف بعرفات.
قوله"وهذا القسم"ولما بين تفسير المتواتر وشروطه شرع في بيان حكمه فقال, وهذا القسم أي المتواتر من الأخبار"يوجب علم اليقين بمنزلة العيان علما ضروريا". وهو مذهب جمهور العقلاء وذهبت السمنية, وهم قوم من عبدة الأصنام. والبراهمة, وهم قوم من منكري الرسالة بأرض الهند إلى أن الخبر لا يكون حجة أصلا, ولا يقع العلم به بوجه لا علم يقين, ولا علم طمأنينة بل يوجب ظنا. وذهب قوم إلى أن المتواتر يوجب علم طمأنينة لا علم يقين ويريدون به أن جانب الصدق يترجح فيه بحيث تطمئن إليه القلوب مثل ما يثبت بالدليل الظاهر, ولكن لا ينتفي عنه توهم الكذب والغلط. ولا فرق بين القولين إلا من حيث إن الطمأنينة أقرب إلى اليقين من الظن ولهذا كان متمسك الفريقين واحدا, ثم القائلون بأنه يوجب اليقين اختلفوا فذهب عامتهم إلى أنه يوجب علما ضروريا. وذهب أبو القاسم الكعبي وأبو الحسين البصري من المعتزلة وأبو بكر الدقاق من أصحاب الشافعي إلى أنه يوجب علما استدلاليا وسنبينه في آخر الباب.