العام عندنا يوجب الحكم فيما تناوله قطعا ويقينا بمنزلة الخاص فيما يتناوله والدليل على أن المذهب هو الذي حكينا أن أبا حنيفة رحمه الله قال إن الخاص لا يقضي على العام بل يجوز أن ينسخ الخاص به مثل حديث
ـــــــ
"قوله"العام عندنا يوجب الحكم فيما تناوله أي في جميع الأفراد الداخلة تحته قطعا ويقينا وقد فسرناهما في أول باب أحكام الخصوص وهو مذهب أكثر مشايخنا كما ستقف عليه ويشير قوله العام بعمومه إلى استواء الأمر والنهي والخبر في ذلك وفيه خلاف كما سنبينه وهذا إذا أمكن اعتبار العموم فيه فإن لم يمكن لكون المحل غير قابل له مثل قوله تعالى: {لا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ} [الحشر: 20] فحينئذ يجب التوقف فيه إلى أن يتبين ما هو المراد به ببيان ظاهر بمنزلة المجمل ولا يعمل فيه بقدر الإمكان وفيه خلاف الشافعي رحمه الله.
قوله:"لا يقضي على العام"أي لا يترجح عليه منقول من قضى عليه بمعنى حكم لأن الراجح حاكم على المرجوح بل يجوز أن ينسخ الخاص بالعام إذا كان العام متأخرا.
قوله:"مثل حديث العرنيين"1 وهو ما روى أنس بن مالك رضي الله عنه أن قوما من عرنة أتوا المدينة فاجتووها أي كرهوا بالمقام بها لأنها لم توافقهم فاصفرت ألوانهم وانتفخت بطونهم فأمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن يخرجوا إلى إبل الصدقة ويشربوا من أبوالها وألبانها ففعلوا وصحوا ثم ارتدوا ومالوا إلى الرعاة وقتلوهم واستاقوا الإبل فبعث رسول الله
ـــــــ
1 أخرجه البخاري 9/200 - 202 ومسلم في القسامة حديث رقم 1671 والترمذي في الطهارة حديث رقم 72 وأبو داود في الحدود حديث رقم 4364 - 4371 وابن ماجه حديث رقم 2578 والإمام أحمد في المسند 3/107.