قال بعض العلماء: يلزمنا شرائع من قبلنا حتى يقوم الدليل على النسخ بمنزلة شرائعنا وقال بعضهم لا يلزمنا حتى يقوم الدليل وقال بعضهم يلزمنا على أنه شريعتنا والصحيح عندنا أن ما قص الله تعالى منها علينا من غير إنكار
ـــــــ
أي باب بيان الاختلاف في شرائع من قبلنا فقال بعضهم كذا فهو معنى إيراد الفاء في أول الباب واعلم أنه يجوز أن يتعبد الله تعالى نبيه عليه السلام بشريعة من قبله من الأنبياء ويأمره باتباعها ويجوز أن يتعبده بالنهي عن اتباعها وليس في دين استبعاد ولا استنكار وإن مصالح العباد قد تتفق وقد تختلف فيجوز أن يكون الشيء مصلحة في زمان النبي الأول دون الثاني ويجوز عكسه ويجوز أن يكون مصلحة في زمان النبي الأول والثاني فيجوز أن تختلف الشرائع وتتفق. ولا يقال: إذا جاء الثاني بمثل ما جاء به الأول لم يكن لبعثته وإظهار المعجزة على يده فائدة; لأن شريعته معلومة من غيره; لأنا نقول: إنهما وإن اتفقا في بعض الأحكام يجوز أن يختلفا في بعضها ويجوز أن يكون الأول مبعوثا إلى قوم والثاني إلى غيرهم ويجوز أن تكون شريعة الأول قد اندرست فلا يعلم إلا من جهة الثاني ويجوز أن يكون قد حدث في الأولى بدع فيزيلها الثانية فعلم أن الأمرين جائزان إلا أن العلماء اختلفوا في وقوع التعبد بها في موضعين: أحدهما أنه عليه السلام هل كان متعبدا بشرع أحد من الأنبياء قبل البعث فأبى بعضهم ذلك كأبي الحسين البصري وجماعة من المتكلمين وأثبته بعضهم مختلفين فيه أيضا فقيل كان متعبدا بشرع نوح وقيل بشرع إبراهيم وقيل بشرع موسى وقيل بشرع عيسى وقيل بما ثبت أنه شرع وتوقف فيه بعضهم كالغزالي وعبد الجبار وغيرهما ومحل بيان هذه المسألة من أصول التوحيد. والثاني أن النبي عليه السلام بعد البعث وأمته هل كانوا متعبدين بشرع من تقدم وهي المسألة التي عقد الباب لبيانها فذهب كثير من أصحابنا وعامة أصحاب الشافعي وطائفة من المتكلمين إلى أنه عليه السلام كان متعبدا بشرائع من قبلنا من الأنبياء عليهم السلام