فهرس الكتاب

الصفحة 74 من 2201

"تعريف المحكم"

فإذا ازداد قوة وأحكم المراد به عن احتمال النسخ والتبديل سمي محكما من أحكام البناء قال الله تعالى: {مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ} [آل عمران: 7] وذلك مثل قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ

ـــــــ

فإذا ازداد, أي المفسر, قوة وأحكم المراد به, الباء يتعلق بالإرادة وضمن"أحكم"معنى امتنع أو أمن أي امتنع المعنى الذي أريد بالمفسر عن النسخ والتبديل وهما مترادفان ههنا, سمي محكما فظهر بما ذكر أنه لا بد من كون الكلام في غاية الوضوح في إفادة معناه وكونه غير قابل للنسخ ليسمى محكما, وهو قول عامة الأصوليين من أصحابنا, ومنهم من لم يشترط كونه غير قابل للنسخ, وقال هو ما لا يحتمل إلا وجها واحدا, وقيل ما في العقل بيانه, وقيل هو الناسخ وقيل هو ما يوقف عليه ويفهم مراده, وقيل هو ما ظهر لكل أحد من أهل الإسلام حتى لم يختلفوا فيه, والمتشابه على أضدادها, وقيل هو ما فيه الفرائض والحدود, وقيل ما فيه الحلال والحرام والأصح هو الأول; لأن مأخذه يدل على أنه لا يقبل النسخ يقال بناء محكم أي مأمون الانتقاض وأحكمت الصنعة أي أمنت نقضها وتبديلها, وقيل هو مأخوذ من قولهم أحكمت فلانا عن كذا أي منعته, قال الشاعر1:

أبني حنيفة أحكموا سفهاءكم ... إني أخاف عليكم أن أغضبا.

ومنه حكمة الفرس; لأنها تمنعه من العثار والفساد فالمحكم ممتنع من احتمال التأويل, ومن أن يرد عليه النسخ والتبديل; ولهذا سمى الله تعالى المحكمات أم الكتاب أي الأصل الذي يكون المرجع إليه بمنزلة الأم للولد وسميت مكة أم القرى; لأن الناس يرجعون إليها للحج وفي آخر الأمر والمرجع ما ليس فيه احتمال التأويل ولا احتمال النسخ والتبديل كذا ذكر شمس الأئمة رحمه الله. ثم انقطاع احتمال النسخ قد يكون لمعنى في ذاته بأن لا يحتمل التبدل عقلا كالآيات الدالة على وجود الصانع وصفاته جل جلاله

ـــــــ

1 هو جرير انظر شرح ديوان جرير ص 47.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت