فهرس الكتاب

الصفحة 954 من 2201

المشروعة, وأداؤها, وإنما الخطاب للأداء ولهذه الأحكام أسباب تضاف إليها شرعية وضعت تيسيرا على العباد, وإنما الوجوب بإيجاب الله تعالى لا أثر

ـــــــ

وتمسك من فرق بين العبادات وغيرها بأن العبادات وجبت لله تعالى على الخلوص فتضاف إلى إيجابه; لأنا ما عرفنا وجوبها إلا بالشرع, وأما العقوبات فتضاف إلى الأسباب; لأنها أجزية الأفعال المحظورة فتضاف إليها تغليظا, وكذا المعاملات تضاف إلى الأسباب; لأنها حاصلة بكسب العبد فتضاف إليه. وبأن الواجب في العبادات ليس إلا الفعل ووجوبه بالخطاب بالإجماع فلا يمكن إضافته إلى شيء آخر فأما المعاملات فالواجب فيها شيئان المال والفعل فيمكن إضافة وجوب المال إلى السبب, وإضافة وجوب الفعل إلى الخطاب, وكذا العقوبات فإن الواجب على الجاني ليس إلا تسليم النفس وتحمل العقوبة, وإنما وجب الفعل على الولاة فيجوز أن يضاف ما وجب عليه إلى السبب, وما وجب على الولاة إلى الخطاب إليهم حيث قيل {فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} "المائدة: 38" {فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً} "النور: 4" {فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ} "النور: 2". فعلى هذا الطريق يجوز أن تضاف العبادات المالية إلى الأسباب عندهم أيضا. وأما العامة فقالوا: إن الله تعالى شرع للعبادات أسبابا يضاف وجوبها إليها والموجب في الحقيقة هو الله تعالى كما شرع لوجوب القصاص والحدود أسبابا يضاف الوجوب إليها, والموجب هو الله تعالى فجعل سبب وجوب القصاص القتل وسبب وجوب الضمان الإتلاف وسبب ملك الواطئ النكاح, فكذا شرع لوجوب العبادات أسبابا أيضا. فمن أنكر جميع الأسباب وعطلها, وأضاف الإيجاب إلى الله تعالى فقط خالف النص والإجماع وصار جبريا خارجا عن مذهب السنة والجماعة ومن أنكر البعض, وأقر بالبعض فلا وجه له أيضا; لأنه لما جاز إضافة بعض الأحكام إلى الأسباب بالدليل فلم لا يجوز أن يضاف سائرها إلى الأسباب أيضا بالدليل. وقولهم لو أضيف الوجوب إلى الأسباب لزم أن لا يكون مضافا إلى الله عز وجل فاسد; لأنا لا نجعل الأسباب موجبة بذواتها إذ الإيجاب والإلزام لا يتصور إلا من مفترض الطاعة لكن السبب ما يكون موصلا إلى الحكم وطريقا إليه فإضافة الحكم إلى السبب لا يمنع من إضافته إلى غيره فإن من قتل إنسانا بالسيف يحصل القتل حقيقة بالسيف ثم لا يمنع ذلك من إضافته إلى القاتل حتى يجب القصاص عليه, وكذا الشبع يحصل بالطعام والري بالماء ثم يضافان إلى المطعم والساقي فكذا هذا. وقولهم الأسباب كانت, ولا حكم فاسد أيضا; لأنا نجعلها موجبة بجعل الله تعالى إياها كذلك لا بأنفسها فلا تكون أسبابا قبل ذلك كأسباب العقوبات وحقوق العباد كانت موجودة قبل الخطاب, ولم تكن أسبابا ثم صارت أسبابا بجعل الله تعالى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت