احتمل التغير عن أصل وضعه لكن لا يحتمل التصرف فيه بطريق البيان لكونه بينا لما وضع له من ذلك أن الله تعالى قال: {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ} [البقرة: 228] قلنا المراد به الحيض لأنا إذا حملنا على الأطهار
ـــــــ
المخصوص في قولك رأيت أسدا من غير قرينة يقبل أن يراد به الشجاع مجازا فهذا هو الاحتمال وإرادة الشجاع هي المحتمل, فإذا قلنا المراد منه موضوعه قطعا فالمراد بالقطع قطع المحتمل; لأن ثبوته متوقف على قيام الدليل ولم يوجد فيكون منقطعا لا محالة لا قطع الاحتمال إذ صلاحية اللفظ باقية حتى لو انقطع الاحتمال أيضا يسمى محكما فثبت أن القطع يجتمع مع الاحتمال.
قوله:"لكن لا يحتمل التصرف"استدراك من قوله واحتمل التغير بطريق البيان. وذلك أن البيان إما إثبات الظهور, وهو حقيقته أو إزالة الخفاء, وهي لازمته فلو احتمل التصرف بطريق البيان مع كونه بينا يلزم إثبات الثابت أو نفي المنفي وكلاهما فاسد, من ذلك أي من الخاص الذي ذكرنا أن العمل يجب بموجبه ولا يحتمل البيان.
قوله تعالى: {وَالْمُطَلَّقَاتُ} الآية. وقوله قلنا نحن جملة مستأنفة لا محل لها من الإعراب قوله تعالى: {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ} , خبر في معنى الأمر أي وليتربص المطلقات المدخول بهن من ذوات الأقراء: {ثَلاثَةَ قُرُوءٍ} أي مضي ثلاثة قروء على أنها مفعول به كقولك المحتكر يتربص الغلاء, أو مدة ثلاثة قروء على أنها ظرف, والمراد بالقروء الحيض عندنا, وهو مذهب الخلفاء الراشدين وأبي الدرداء رضي الله عنهم وعند الشافعي المراد بها الأطهار, وهو مذهب زيد بن ثابت وعبد الله بن عمر وعائشة رضي الله عنهم واللفظ يحتملها بالاتفاق والشأن في الترجيح فقلنا لو حمل اللفظ على الأطهار انتقص العدد عن الثلاثة; لأنه إذا طلقها في الطهر; وإن كان في أوله ينتقص ذلك الطهر في حق العدة لا محالة إذ المراد من الطهر هو الطهر الشرعي المتخلل بين دمي ترك بالاتفاق لا مسمى الطهر إذ لو كان كذلك لانقضت العدة في طهر واحد أو أقل ولما انقضت عدة المستحاضة ثم هو محسوب من العدة عند من حمل القروء على الأطهار فيصير العدة قرأين وبعض قرء والثلاثة اسم خاص لعدد معلوم لا يحتمل غيره سواء كان أقل منه أو أكثر فلا يجوز أن يراد بالخمسة الأربعة ولا الستة مع أن إطلاق اسم الكل على البعض وبالعكس جائز وذلك; لأن أسماء الأعداد أعلام; ولهذا يقال ستة ضعف ثلاثة وأربعة نصف ثمانية من غير انصراف للعلمية والتأنيث والنقل لا يجري في الإعلام بخلاف ما إذا حملنا على الحيض; لأنه لو طلقها في الحيض لا تحتسب تلك الحيضة بالاتفاق فيكمل الأقراء لا محالة فيكون عملا بهذا اللفظ الخاص, وهو الثلاثة فيكون الحمل على وجه يوافق الكتاب أولى من الحمل على وجه يخالفه. ولا يلزم عليه قوله تعالى: {الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ}