واحتج بقوله تعالى: {إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ} [الأنبياء: 98] ثم لحقه الخصوص بقوله: {إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى} [الأنبياء: 101] متراخيا عن الأول وهذا الاستدلال باطل عندنا; لأن صدر الآية لم يكن متناولا لعيسى والملائكة عليهم السلام; لأن كلمة ما لذوات غير العقلاء لكنهم كانوا متعنتين فزاد في البيان إعراضا عن تعنتهم واحتج بقوله: {إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ} [العنكبوت: 31] وهذا عام خص منه آل لوط
ـــــــ
فلو كان قوله: {إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ} [هود: 40] منصرفا إلى ما ذكرتم لما استجاز نوح سؤال خلاص ابنه بقوله: {رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي} [هود: 45] فأجاب بما ذكر في الكتاب وهو ظاهر.
ومنها قوله تعالى: {إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ} [الأنبياء: 98"أي حطبها والحصب ما يحصب به أي يرمى يقال حصبتهم السماء إذا رمتهم بالحصباء فعل بمعنى مفعول. وهذا عام لحقه خصوص متراخ أيضا فإنه لما نزل"جاء عبد الله بن الزبعرى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا محمد أليس عيسى وعزير والملائكة قد عبدوا من دون الله أفتراهم يعذبون في النار فأنزل الله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى} [الأنبياء: 101] أي السعادة أو البشرى أو التوفيق للطاعة {أُولَئِكَ عَنْهَا} [الأنبياء: 101] أي عن النار {مُبْعَدُونَ} [الأنبياء: 101] فأجاب بأنا لا نسلم أن ذلك تخصيص إذ لا بد له من دخول المخصوص تحت العموم لولا المخصص وأولئك لم يدخلوا في هذا العام لاختصاص ما بما لا يعقل على أن الخطاب كان لأهل مكة وأنهم كانوا عبدة الأوثان وما كان فيهم من يعبد عيسى والملائكة فلم يكن الكلام متناولا لهم ولا يقال لو لم يدخلوا لما أوردهم ابن الزبعرى نقضا على الآية وهو من الفصحاء ولرد الرسول صلى الله عليه وسلم ولم يسكت عن تخطئته; لأنا نقول لعل سؤال ابن الزبعرى كان بناء على ظنه أن ما ظاهرة فيمن يعقل أو مستعملة فيه مجازا كما استعملت في قوله تعالى: {وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى} [الليل: 3] {وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ} [الكافرون: 3] , وقد اتفق على وروده بمعنى الذي المتناول للعقلاء إلا أنه أخطأ; لأنها ظاهرة فيما لا يعقل دون من يعقل والأصل في الكلام هو الحقيقة. وأما عدم رد الرسول عليه السلام عليه فغير مسلم لما روي"أنه عليه السلام قال لابن الزبعرى لما ذكر ما ذكر رادا عليه ما أجهلك بلغة قومك أما علمت أن ما لما لا يعقل ومن لمن يعقل"هكذا ذكر في شرح أصول الفقه لابن الحاجب. ولئن سلمنا أنه سكت إلى حين نزول الوحي فذلك لما