ـــــــ
لا قائل بالفرق ومن خص الجواز بالقرآن قال الكلام الأزلي واحد وإنما الترتيب في جهات الوصول إلى المخاطبين وإن كان قد تأخر الاستثناء به فذاك في سماع السامعين وفهم الفاهمين لا في كلام رب العالمين واحتج الفقهاء بأن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله:"من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليأت بالذي هو خير, ثم ليكفر عن يمينه"عين التكفير لتخليص الحالف ولو صح الاستثناء منفصلا لقال فليستثن وليأت الذي هو خير منها; لأن تعيين الاستثناء للتخليص أولى لكونه أسهل وبمثله استدل علي على ابن عباس رضي الله عنهم فقال لما حلف أيوب عليه السلام بضرب امرأته أمره الله تعالى بضرب ضغث عليها تحلة ليمينه وتخفيفا عليها كما قال تعالى: {وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلا تَحْنَثْ} [ص: 44] ولو صح الاستثناء متصلا لأمره به لا بالضرب بالضغث; لأنه أيسر وأخف وبأن الشرع حكم بثبوت الإقرارات والطلاق والعتاق وغيرها من العقود ولو صح الاستثناء منفصلا لم يثبت شيء من هذه العقود ولم يستقر وفساده ظاهر لتأديته إلى التلاعب وإبطال التصرفات الشرعية, وبأنه لو صح منفصلا لما علم صدق صادق ولا كذب كاذب ولم يحصل وثوق بيمين ولا وعد ولا وعيد وبطلانه لا يخفى على ذي لب وبمسألة أفحم أبو حنيفة رحمه الله أبا جعفر الدوانقي1 حين عاتبه على مخالفة جده في هذه المسألة فقال لو صح الاستثناء منفصلا كما هو مذهب جدك لقد بارك الله في بيعتك فإن الذين بايعوك على الخلافة لو استثنوا بعدما خرجوا من عندك أو حين ما بدا لهم ذلك لم تبق خلافتك ووسعهم خلافك فسكت ورده بجميل.
قال الغزالي رحمه الله نقل عن ابن عباس رضي الله عنهما جواز تأخير الاستثناء ولعله لا يصح فيه النقل إذ لا يليق ذلك بمنصبه وإن صح فلعله أراد به إذا نوى الاستثناء أو لا, ثم أظهر نيته بعده فيدين فيما بينه وبين الله تعالى فيما نواه ومذهبه أن ما يدين فيه العبد يقبل ظاهرا فهذا له وجه. وأما تجويز التأخير لو أصر عليه دون هذا التأويل فيرده عليه اتفاق أهل اللغة على خلافه; لأنه جزء من الكلام يحصل به الإتمام فإذا انفصل لم يكن إتماما كالشرط وخبر المبتدأ فإنه إذا أخر الشرط أو الخبر لا يفهم منه شيء فلا يصير كلاما فضلا من أن يكون شرطا أو خبرا فكذا قوله إلا زيدا بعد شهر يخرج من أن يكون مفهوما فضلا من أن يكون إتماما للكلام. وأما استثناء النبي صلى الله عليه وسلم بعد النسيان فقد كان
ـــــــ
1 هو الخليفة أبو جعفر المنصور ، أنظر الكشاف 4/103.