ـــــــ
أما دلالة العقل فلأن مصلحة المكلف قد تكون في الترقي من الأخف إلى الأثقل كما يكون في ابتداء التكليف ورفع الحكم الأصلي كما يكون في النقل من الأثقل إلى الأخف ألا ترى أن الطبيب ينقل المريض من الغذاء إلى الدواء تارة ومن الدواء إلى الغذاء أخرى بحسب ما يعلم من منفعته فيه
وأما دلالة الشرع فلأن الله تعالى نسخ التخيير بين صوم رمضان والفدية عنه في ابتداء الإسلام على ما روى ابن عمر ومعاذ رضي الله عنهم ذلك فعزيمة الصيام أي بالصوم حتما بقوله عز اسمه {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} [البقرة: 185] ولا شك أن الصوم حتما أشق من التخيير ونسخ الصفح والعفو عن الكفار الثابتين بقوله تعالى: {فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ} [المائدة: 13] بآيات القتال ونسخ الحبس والإيذاء باللسان في حد الزنا بالجلد والرجم ونسخ إباحة الخمر ونكاح المتعة ولحوم الحمر الأهلية بتحريمها ونسخ صوم عاشوراء بصوم رمضان وكون الحج مندوبا بكونه فرضا وإباحة تأخير الصلاة عند الخوف بوجوب أدائها في أثناء القتال وكل ذلك نسخ بالأشق والأثقل
وأما تمسكهم بالآية الأولى فضعيف; لأنا لا نسلم أن الأشق ليس بخير بل هو خير باعتبار الثواب في الآخرة كما أن الأخف خير باعتبار السهولة في الدنيا, فإن الأشق أكثر ثوابا على ما قال عليه السلام لعائشة رضي الله عنها"أجرك على قدر تعبك"1 وقال أفضل الأعمال أحمزها أي أشقها على البدن"وكذا تمسكهم بالآيتين الأخريين; لأن الآيتين لا تدلان على اليسر والتخفيف في كل شيء بل في صور مخصوصة. وما ذكروا من المعقول فهو لازم عليهم في نقل الخلق عن الإباحة والإطلاق إلى مشقة التكليف وعن الصحة إلى المرض وعن القوة إلى الضعف وعن الغنى إلى الفقر فما هو الجواب لهم عن صور الإلزام فهو جوابنا في محل النزاع والله أعلم"
ـــــــ
1 أخرجه مسلم في الحج حديث رقم 1211.