وإنما يكرم غيره بشيء منها لحقه على مثال كرامات الأولياء وأما الوحي الباطن فهو ما ينال باجتهاد الرأي بالتأمل في الأحكام المنصوصة.واختلف في هذا الفصل فأبى بعضهم أن يكون هذا من حظ النبي صلى الله عليه وسلم وإنما له الوحي الخالص لا غير وإنما الرأي والاجتهاد لأمته, وقال بعضهم: كان له العمل في أحكام الشرع بالوحي والرأي جميعا والقول الأصح عندنا وهو القول الثالث وهو أن الرسول مأمور بانتظار الوحي فيما لم يوح إليه من حكم الواقعة ثم العمل بالرأي بعد انقضاء مدة الانتظار
ـــــــ
لحرمته على مثال كرامات الأولياء, فإنها تثبت لحرمة النبي عليه السلام وإتماما لمعجزته على ما عرف, وإذا كان كذلك لا يخرج بثبوته للغير من خصائصه عليه السلام على أنه إن ثبت للغير لا يكون حجة في أحكام الشرع فثبت أن كون الإلهام حجة مخصوص بالنبي عليه السلام قوله"وأما الوحي الباطن"فكذا جعل الاجتهاد منه عليه السلام وحيا باطنا باعتبار المآل, فإن تقديره عليه السلام على اجتهاده يدل على أنه هو الحق حقيقة كما إذا ثبت بالوحي ابتداء وجعله شمس الأئمة مشابها للوحي بهذا الاعتبار أيضا فقال: وأما ما يشبه الوحي في حق رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو استنباط الأحكام من النصوص بالرأي والاجتهاد, فإن ما يكون من رسول الله عليه السلام بهذا الطريق فهو بمنزلة الثابت بالوحي لقيام الدليل على أنه يكون صوابا لا محالة, فإنه كان لا يقر على الخطأ فكان ذلك منه حجة قاطعة, ومثل هذا من الأمة لا يجعل بمنزلة الوحي; لأن المجتهد يخطئ ويصيب وقد علم أنه كان له عليه السلام من الكمال ما لا يحيط به إلا الله فلا شك أن غيره لا يساويه في إعمال الرأي والاجتهاد.
قوله:"واختلف في هذا الفصل"أي في جواز الاجتهاد للنبي صلى الله عليه وسلم وفي كونه متعبدا به فأبى بعضهم وهم الأشعرية وأكثر المعتزلة والمتكلمين أن يكون الاجتهاد حظ النبي عليه السلام في الأحكام الشرعية إلا أن بعضهم قالوا: إنه غير جائز عليه عقلا وهو منقول عن أبي علي الجبائي وابنه أبي هاشم وبعضهم قالوا: إنه جائز عليه عقلا ولكنه لم يتعبد به شرعا وقال بعضهم وهم عامة أهل الأصول كان له العمل في أحكام الشرع بالوحي والرأي جميعا أي بالوحي الظاهر والباطن وهو منقول عن أبي يوسف من أصحابنا وهو مذهب مالك والشافعي وعامة أهل الحديث وقال أكثر أصحابنا بأنه عليه السلام كان متعبدا بانتظار الوحي في حادثة ليس فيها وحي, فإن لم ينزل الوحي بعد الانتظار كان ذلك دلالة للإذن بالاجتهاد ثم قيل: مدة الانتظار مقدرة بثلاثة أيام وقيل بخوف فوت الغرض وذلك يختلف بحسب الحوادث كانتظار الولي الأقرب في النكاح مقدر بفوت الخاطب الكفء.