له غير هذا إلا التكذيب, وذلك باطل فوجب العمل به لا محالة فأما فيما يعقل بالقياس فوجه قول الكرخي أن القول بالرأي من أصحابه صلى الله عليه وسلم مشهور
ـــــــ
مصاحبا لمن نزل عليه الوحي فكان الأصل في حقه السماع فلا يجعل قول منقطعا عن السماع إلا إذا ظهر دليل غيره وهو الرأي فلم يوجد فلا يثبت الانقطاع بالاحتمال إليه أشار القاضي الإمام في التقويم والدليل على الفرق أن الحديث في حق الصحابي قطعي بمنزلة المتواتر في حقنا لسماعه من الرسول عليه السلام وفي حق التابعي ومن دونه ظني لتخلل الواسطة فعرفنا أن لتخللها أثرا في الضعف على أنا لا نسلم أن الفتوى فيما لا مدخل للرأي فيه قد وجد ممن بعد الصحابة من غير ظهور نص كما نقل عن الصحابة بل إنما أفتوا بنص ظهر لهم أي برأي استنبطوه من نص ولو ثبت عنهم قول فيما لا مدخل للقياس فيه لقلنا: إنه مبني على نقل ولجعلناه حجة أيضا ولكنه لم يثبت., فإن قيل قد قلتم في المقادير بالرأي من غير أثر فيه, فإن أبا حنيفة رحمه الله قدر مدة البلوغ بالسن بثمان عشرة سنة أو بسبع عشرة سنة بالرأي وقدر مدة وجوب منع المال من السفيه الذي لم يؤنس منه الرشد بخمس وعشرين سنة بالرأي وقدر أبو يوسف ومحمد رحمهما الله مدة تمكن الرجل من نفي الولد بأربعين يوما بالرأي وقدر أصحابنا جميعا ما يطهر به البئر عند وقوع الفأرة فيها بعشرين دلوا فبهذا تبين فساد قول من يقول إنه لا مدخل للرأي في معرفة المقادير, وإنه يتعين جهة السماع في ذلك إذا قاله صحابي قلنا: إنما أردنا بما قلنا المقادير التي تثبت لحق الله تعالى ابتداء دون مقدار يكون فيما يتردد بين القليل والكثير والصغير والكبير, فإن المقادير في الحدود والعبادات نحو أعداد الركعات في الصلوات مما لا يشكل على أحد أنه لا مدخل للرأي في معرفة ذلك فكذلك فيما يكون بتلك الصفة مما أشرنا إليه فأما ما استدللتم به فهو من باب الفرق بين القليل والكثير فيما يحتاج إليه, فإنا نعلم أن ابن عشر سنين لا يكون بالغا وأن ابن عشرين سنة يكون بالغا ثم التردد فيما بين ذلك فيكون هذا استعمال الرأي في إزالة التردد وهو نظير معرفة القيمة في المغصوب والمستهلك ومعرفة مهر المثل والتقدير في النفقة, فإن للرأي مدخلا في معرفة ذلك من الوجه الذي قلنا وكذلك حكم دفع المال إلى السفيه, فإن الله تعالى قال: {فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ} [النساء: 6] ، وقال: {وَلا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا} [النساء: 6] فوقعت الحاجة إلى معرفة الكبر على وجه يتيقن معه بنوع من الرشد وذلك مما يعرف بالرأي فقدر أبو حنيفة رحمه الله ذلك بخمس وعشرين سنة; لأنه يتوهم أن يصير جدا في هذه المدة, ومن صار فرعه أصلا فقد تناهى في الأصلية نتيقن له بصفة الكبر ونعلم إيناس رشد ما منه باعتبار أنه بلغ أشده, فإنه قيل