ودليل ما قلنا من المذهب لأصحابنا في أن المجتهد يخطئ ويصيب في كتب أصحابنا أكثر من أن يحصى, وأما مسألة القبلة فإن المذهب عندنا في ذلك أن المتحري يخطئ ويصيب أيضا كغيره من المجتهدين ألا ترى أنه قال في كتاب الصلاة في قوم صلوا جماعة وتحروا القبلة واختلفوا فمن علم منهم
ـــــــ
المبسوط في المتلاعنين إذا التعن كل واحد منهما ثلاث مرات ثم فرق القاضي بينهما أن الفرقة جائزة, وأن حكمه ينفذ عندنا, وقد أخطأ السنة أي الطريقة المسلوكة في الشرع في هذا الباب فقد حكم أصحابنا بصحة الاجتهاد حيث نفذوا قضاء القاضي ثم أطلقوا اسم الخطأ عليه فعرفنا أن الاجتهاد قد يقع خطأ عندهم, وإن كان جائز العمل به. فإن قيل: كان ينبغي أن لا ينفذ حكمه في هذه الصورة كما قال زفر والشافعي رحمهما الله; لأنه حكم بخلاف الكتاب والسنة فإن اللعان في الكتاب والسنة خمس مرات, والحكم بخلاف النص باطل كما لو حكم بشهادة ثلاثة نفر في حد الزنا. قلنا هذا حكم في موضع الاجتهاد فينفذ كما لو حكم بشهادة المحدود في القذف وذلك; لأن تكرار اللعان للتغليظ, ومعنى التغليظ يحصل بأكثر كلمات اللعان; لأنه جمع متفق عليه, وأدنى الجمع كأعلاه في بعض المواضع فإذا اجتهد القاضي, وأدى اجتهاده إلى هذا الطريق نفذ حكمه, ولا نسلم أن قضاءه مخالف للنص; لأن أصل الفرقة, ومحلها غير مذكورين في النص, وهذا الاجتهاد في محل الفرقة فإن من أبطل هذا القضاء يقول لا تقع الفرقة, وإن أتمت المرأة اللعان بعد ذلك, ولا ينفذ حكمه, وإن تم الزوج اللعان, وإنما يقع الفرقة عنده بلعان الزوج كذا في المبسوط.
قوله:"ودليل ما قلنا من المذهب"يعني الدليل على أن مذهب أصحابنا ذكرنا أن المجتهد يخطئ ويصيب كثير في كتبهم سوى هاتين المسألتين المذكورتين مثل مسألة التحري, ومثل ما قال محمد رحمه الله في غير موضع من كتبه إذا قضى القاضي برأي نفسه في حادثة اختلف فيها الفقهاء نفذ على الكل وثبت صحته في حق من يخالفه, وإن كان عند المخالف هذا القاضي مخطئا للحق عند الله تعالى. ويجوز أن يكون معناه إن على صحة ما ذهب إليه أصحابنا من أن المجتهد يخطئ ويصيب كثير في كتبهم سوى الدلائل المذكورة في هذا الباب, والأول أظهر. ثم أجاب عن مسألة الاجتهاد في القبلة التي استدلوا بها على أن كل مجتهد مصيب. فقال فأما مسألة القبلة إلى آخره يعني لا نسلم أن المجتهد في القبلة مصيب لا محالة بل المجتهد فيها يخطئ ويصيب كغيره من المجتهدين استدلالا بالمسألة المذكورة في الكتاب. ويلزم عليه أنه لو لم يكن المجتهد في القبلة مصيبا لا محالة لوجب على المخطئ إعادة الصلاة بعدما تبين خطؤه بيقين كما