بنفس السفه إذا حدث بعد البلوغ أو بلغ كذلك وقال أبو يوسف رحمه الله لا بد
ـــــــ
والحجر يثبت بنفسها من غير حاجة إلى قضاء القاضي فكذلك بالسفه وأبو يوسف رحمه الله يقول لا يصير محجورا عليه ما لم يحجر عليه القاضي في الوجهين; لأن الحجر عليه لمعنى النظر له وهو متردد بين النظر والضرر ففي إبقاء الملك له نظر وفي إهدار قوله ضرر وبمثل هذا لا يترجح أحد الجانبين منه إلا بقضاء القاضي يوضحه أن السفه ليس بشيء محسوس وإنما يستدل عليه بأن يغبن في التصرفات وقد يكون ذلك للسفه وقد يكون حيلة لاستجلاب قلوب المجاهرين فإذا كان محتملا مترددا لا يثبت حكمه إلا بقضاء القاضي بخلاف الصغر والجنون والعته ولأن الحجر بهذا السبب مختلف فيه بين العلماء فلا يثبت إلا بقضاء القاضي كالحجر بسبب الدين. فلو أدرك سفيها فلم يرفع أمره إلى القاضي حتى باع شيئا من تركة والده وأقر بديون ووهب هبات وتصدق بصدقات صح جميعها عند أبي يوسف خلافا لمحمد. رحمهما الله النوع الثاني من الحجر أن المديون إذا امتنع عن بيع ماله لقضاء الدين باع القاضي عليه أمواله عروضا كان أو عقارا عندهما وعند أبي حنيفة رحمه الله لا يبيع عليه ماله إلا أحد النقدين بالآخر استحسانا لقضاء دينه احتجا في ذلك بحديث معاذ رضي الله عنه فإنه ركبته الديون فباع رسول الله صلى الله عليه وسلم ماله وقسم ثمنه بين غرمائه بالحصص وقال عمر رضي الله عنه في خطبته إياكم والدين فإن أوله هم وآخره حزن وإن أسيفع جهينة قد رضي من دينه وأمانته أن يقال قد سبق الحاج فادان معرضا فأصبح وقد رين عليه ألا إني بائع عليه ماله وقاسم ثمنه بين غرمائه بالحصص ممن كان له عليه دين فليغد ولم ينكر عليه أحد من الصحابة فكان هذا اتفاقا منهم على أنه يباع على المديون ماله وبأن بيع المال لقضاء الدين من ثمنه مستحق عليه بدليل أنه يحبس إذا امتنع منه وهو مما تجري فيه النيابة والأصل أن من امتنع عن إيفاء حق مستحق عليه وهو مما تجري فيه النيابة ناب القاضي منابه كالذمي إذا أسلم عبده فأبى أن يبيعه باعه القاضي, والعنين بعد مضي المدة إذا أبى أن يفارقها ناب القاضي منابه في التفريق بينهما وأبو حنيفة رحمه الله استدل بقوله تعالى: {لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ} [النساء: 29] وبيع المال على المديون بغير رضاه ليس بتجارة عن تراض وبأن بيع المال غير مستحق عليه فإن المستحق عليه قضاء الدين وبيع المال غير متعين لقضاء الدين فإنه يتمكن من قضائه بالاستيهاب والاستقراض وسؤال الصدقة من الناس فلا يكون للقاضي تعيين هذه الجهة عليه بمباشرة بيع ماله عند امتناعه كالإجارة والتزويج. الدليل عليه أنه يحبسه بالاتفاق ولو جاز له بيع ماله لم يشتغل بحبسه لما فيه من الإضرار به وبالغرماء في تأخير وصول حقهم إليهم فلا معنى للمصير إليه بدون الحاجة.