بنفسه مطلقا; لأنه من أسباب المشقة لا محالة بخلاف المرض; لأنه متنوع على ما قلنا واختلفوا في أثره في الصلوات فهو عندنا سبب للوضع أصلا حتى إن ظهر المسافر وفجره سواء لا يحتمل الزيادة عليه وقال الشافعي رحمه الله هو سبب رخصة فلا يبطل العزيمة كما قيل في حق الصائم ولنا على ما قلنا دليلان ظاهران ودليلان خفيان أما الأولان فأحدهما أن القصر أصل والإكمال زيادة قالت عائشة رضي الله عنها فرضت الصلاة ركعتين ركعتين فأقرت في السفر وزيدت في الحضر والأصل لا يحتمل المزيد إلا بالنص. والثاني أنا وجدنا الفضل على ركعتين إن أداه أثيب عليه وإن تركه لا يعاتب عليه وهذا حد النوافل. وأما الوجهان الخفيان أحدهما أن هذه رخصة إسقاط; لأن ذلك حق وضع عنا مثل وضع الإصر والأغلال, قال عمر رضي الله عنه يا رسول الله مالنا نقصر وقد أمنا فقال النبي عليه السلام:"إن الله تعالى تصدق عليكم بصدقة فاقبلوا صدقته"
ـــــــ
وجوب شيء من الأحكام نحو الصلاة والزكاة والصوم والحج وغيرها لكنه جعل في الشرع من أسباب التخفيف بنفسه مطلقا يعني من غير نظر إلى كونه موجبا للمشقة أو غير موجب لها لأنه أي السفر من أسباب المشقة لا محالة يعني في الغالب حتى لو تنزه سلطان من بستان إلى بستان في خدمه وأعوانه لحقه مشقة بالنسبة إلى حال إقامته فلذلك اعتبر نفس السفر سببا للرخص وأقيم مقام المشقة بخلاف المرض حيث لم تتعلق الرخصة بنفسه; لأنه متنوع إلى ما يضر به الصوم وإلى ما لا يضر به بل ينفعه فلذلك تعلقت الرخص بالمرض الذي يوجب المشقة بازدياد المرض لا بما لا يوجبها. ألا ترى أنه لو حدث به برص في حال الصوم لا يمكن أن يرخص له بالإفطار مع أنه من الأمراض الصعبة فعرفنا أن الحكم غير متعلق بنفس المرض كما ظنه بعض أصحاب الحديث.
واختلف في أثر السفر في الصلوات فأثره في حق الصلوات عندنا إسقاط الشطر من ذوات الأربع حتى لم يبق إلا كمال مشروع أصلا فكان ظهر المسافر وفجره سواء وعند الشافعي رحمه الله حكم السفر ثبوت حق الترخص له بأن يصلي ركعتين إن شاء كما في الإفطار حتى لو لم يشأ لم يجزه إلا الأربع وإذا فاتت لزمه قضاء الأربع عنده وقد أوضح الشيخ رحمه الله هذه المسألة هاهنا غاية الإيضاح وقد مر بيانها في باب العزيمة والرخصة فلا يحتاج إلى زيادة شرح دليلان ظاهران من النص والمعقول ودليلان خفيان منهما أيضا القصر أصل قال مقاتل كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي بمكة ركعتين بالغداة وركعتين بالعشي فلما عرج به إلى السماء أمر بالصلوات الخمس فصارت الركعتان للمسافر وللمقيم أربعا كذا في