بعد تهالكهم في بحثه وتنقيره, وعجزت التحارير عن درك معضلاته, مع حرصهم على تحقيقه وتفكيره, فلم يزدهم ذلك إلا المبالغة في الإلحاح علي, والإقامة في مواقف الاقتراح لدي, فلم أجد بدا من إنجاح مسئولهم, ولا مندوحة عن تحقيق مأمولهم, فأجبتهم إلى ملتمسهم تفاديا من عقوقهم, وسعيا إلى أداء حقوقهم, وشرعت في هذا الأمر العظيم المهم, والخطب الجسيم المدلهم, مستعينا بالله الكريم الجليل, راجيا منه أن يهديني سواء السبيل, متوكلا على كرمه الشامل في طلب التوفيق لإتمامه, معتمدا على إنعامه العام في سؤال التيسير لابتدائه واختتامه. راغبا إليه في أن يجعل ما أقاسيه خالصا لوجهه الكريم, متعوذا به من أن يتلقاني بسخطه وعقابه الأليم, مبتهلا إليه في أن يحفظني عن الخطإ والزلل, ويلهمني طريق الصواب والسداد في القول والعمل, متضرعا إليه في أن ينفعني به وأئمة الإسلام, ويجمعني وإياهم ببركات جمعه في دار السلام.
ولما كان هذا الكتاب كاشفا عن غوامض محتجبة عن الأبصار ناسب أن سميته كشف الأسرار.
وأرجو أن يكون كتابا سبق عامة الشروح ترتيبا وجمالا, وفاق نظائره تحقيقا وكمالا, ومن نظر فيه بعين الإنصاف, عرف دعوى الصدق من الخلاف, ثم إني, وإن لم آل جهدا في تأليف هذا الكتاب وترتيبه, ولم أدخر جدا في تسديده وتهذيبه, فلا بد من أن يقع فيه عثرة وزلل, وأن يوجد فيه خطأ وخطل, فلا يتعجب الواقف عليه عنه, فإن ذلك مما لا ينجو منه أحد ولا يستنكفه بشر وقد روى البويطي1 عن الشافعي2 رحمه الله أنه قال له إني صنفت هذه الكتب فلم آل فيها الصواب فلا بد أن يوجد فيها ما يخالف كتاب الله تعالى وسنة رسوله عليه السلام قال الله تعالى: {وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا} [النساء: 82] فما وجدتم فيها مما يخالف كتاب الله وسنة رسوله فإني راجع عنه إلى كتاب الله وسنة رسوله.
وقال المزني3 قرأت كتاب الرسالة على الشافعي ثمانين مرة فما من مرة
ـــــــ
1 البويطي: هو أبو يعقوب يوسف بن يحيى القرشي البويطي من كبار أصحاب الشافعي توفي سنة 332هـ.
2 الإمام المجتهد ناصر السنة محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع المطلبي القرشي ولد في غزة سنة 150 هـ توفي سنة 204 هـ.
3 هو الإمام أبو إبراهيم إسماعيل بن يحيى بن إسماعيل بن عمرو بن مسلم المزني توفي سنة 264 هـ.