أصلا والجواب عما احتج به طائفة أهل المقالة الأولى أنا ندعي أنه موجب لما وضع له لا أنه محكم لما وضع له فكان محتملا أن يراد به بعضه فيصلح توكيده بما يحسم باب الاحتمال ليصير محكما كالخاص يحتمل المجاز فتوكيده بما يقطعه لا بما يفسره فيقال جاءني زيد نفسه لأنه قد يحتمل غير المجيء مجازا.
ـــــــ
يقوم بالجوارح وإنها تابعة للقلب فلما سقط في حق التبع ففي حق الأصل أولى ولكن يرد عليه خبر الواحد والقياس فإن اعتبار الاحتمال فيهما ساقط في حق العمل ثم لم يسقط في حق العلم بالاتفاق فكذا ههنا.
قوله:"والجواب عما احتجت به الطائفة الأولى"يعني الواقفية"أنا ندعي أنه"أي العام"موجب لما وضع له"وهو العموم قطعا عند عدم دليل الخصوص"لا أنه محكم لما وضع له"أي فيما وضع له بحيث لم يبق صلاحيته لإرادة الخصوص"فكان محتملا أن يراد به بعضه"أي صالحا في ذاته لذلك وقد حققنا هذا في"أول باب أحكام الخاص".
بما يحسم أي يقطع بالكلية."باب الاحتمال"أي صلاحيته الآن يراد به بعضه"ليصير محكما"أي غير قابل لمعنى آخر يعني إنما صلح توكيده مع أنه بدون التوكيد يوجب العموم والإحاطة ليصير محكما لا لما ظنه الخصم أنه مجمل أو مشترك فيصير بهذا التوكيد مفسرا ويكون هذا التوكيد إزالة لخفائه وتعيينا لبعض مسمياته"كالخاص يحتمل المجاز فتوكيده بما"يقطع احتمال المجاز"لا بما يفسره"فيقال جاءني زيد نفسه"لأنه قد يحتمل غير المجيء"أي غير مجيء زيد بل يحتمل مجيء خبره وكتابه وإنما لم يتعرض لجواب أصحاب الخصوص لأن فيما ذكر جوابا عما احتجوا به أيضا وإنما سوينا في موجب العام بين الخبر والأمر والنهي لأن ذلك حكم صيغة العموم وهي موجودة في الكل فلا وجه إلى الفرق بين الخبر وغيره وقول الفارق الإجماع منعقد على التكاليف بأوامر ونواه عامة قلنا فكذا الإجماع منعقد على التكليف بأخبار عامة لجميع المكلفين على معنى كونهم مكلفين بمعرفتها كقوله تعالى: {وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [الأنعام: 101] وكذلك عمومات الوعد والوعيد إذ بمعرفتها يتحقق الانزجار عن المعاصي والانقياد للطاعات ومع التساوي في التكليف لا معنى للفرق والله أعلم.