كان المخصوص معلوما بقي العام فيما وراء المخصوص على ما كان وإن كان مجهولا يسقط حكم العموم, وقال بعضهم إن كان المخصوص معلوما بقي العام فيما وراءه على ما كان فأما إذا كان مجهولا فإن دليل الخصوص يسقط.
ـــــــ
الأمر والنهي قال الله تعالى: {مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ} [الذريات:42] {وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ} [النمل: 23] وقد أتت تلك الريح على الجبال والأرض ولم تجعلهما كالرميم وتلك المرأة لم تؤت كل الأشياء.
وإذا عرفت هذا فاعلم أن الأصوليين اختلفوا في العام المخصوص في فصلين. أحدهما أن العام بعد التخصيص هل يبقى عاما في الباقي بطريق الحقيقة أم يصير مجازا.
والثاني أنه هل يبقى حجة بعد التخصيص أم لا؟
أما الأول فقد قيل الاختلاف فيه مبني على أن الشرط في العام الاستيعاب أم نفس الاجتماع فمن شرط فيه الاجتماع دون الاستغراق قال إنه يبقى حقيقة في العموم بعد التخصيص إلى أن ينتهي التخصيص إلى ما دون الثلاثة فحينئذ يصير مجازا ومن قال شرطه الاستيعاب قال يصير مجازا بعد التخصيص وإن خص منه فرد واحد لأن الكل ينتفي بانتفاء جزئه فلا يبقى عاما ضرورة فعلى قول من جعله مجازا لا يصح الاستدلال بعمومه بعد التخصيص لأنه لم يبق عاما وقيل بل هي مسألة مبتدأة سواء كان شرطا لعموم الاجتماع أو الاستيعاب لأن عامة شارطي الاستيعاب جعلوه حقيقة في الباقي بعد التخصيص وذهب بعض من شرط الاستيعاب إلى اجتماع جهة الحقيقة وجهة المجاز فيه فمن حيث إنه تناول بقية المسميات كما تناول قبل التخصيص كان حقيقة فيها ومن حيث إنه اختص بها وقصر عما عداها كان مجازا وفي أقوال هذا الفصل كثرة تعرف شرحها وبيان وجوهها في غير هذا الكتاب.
أما الفصل الثاني وهو الذي عقد الباب لبيانه فنقول اختلف الأصوليون في كون العام المخصوص منه حجة فذهب الشيخ أبو الحسن الكرخي وأبو عبد الله الجرجاني1 وعيسى بن أبان في رواية وأبو ثور2 من متكلمي أهل الحديث وغيرهم إلى أنه لا يبقى
ـــــــ
1 هو أبو عبد الله يوسف بن محمد الجرجاني فقيه حنفي انظر ترجمته في الفوائد البهية 231.
2 أبو ثور هو إبراهيم بن خالد بن أبي اليمان الكلبي توفي سنة 240 هـ انظر تهذيب التهذيب 1/118 - 119.