استحالة
ـــــــ
المحال فيكون فاسدا. وبيان الاستحالة من وجوه أحدها ما أشار الشيخ إليه في الكتاب أن الحقيقة ما يكون مستقرا في موضوعه مستعملا فيه والمجاز ما يكون متجاوزا عن موضوعه مستعملا في غيره والشيء الواحد في حالة واحدة لا يتصور أن يكون مستقرا في موضعه ومتجاوزا عنه ضرورة أن الشيء الواحد لا يحل مكانين.
وثانيها أنه لو صح الإطلاق عليهما يكون المستعمل مريدا لما وضعت له الكلمة أولا لاستعمالها فيه غير مريد له أيضا للعدول بها عما وضعت له فيكون موضوعها مرادا أو غير مراد وهو جمع بين النقيضين. والاستحالة في الوجه الأول باعتبار اللفظ وفي الوجه الثاني باعتبار المعنى.
وثالثها أن استعمال الكلمة فيما هي مجاز فيه يوجب إضمار كاف التشبيه لما عرف واستعمالها فيما هي حقيقة فيه لا يوجب ذلك وبين الإضمار وعدمه تناف. ورابعها أن المجاز لا يعقل من الخطاب إلا بقرينة وتقييد, والحقيقة تفهم بالإطلاق من غير قرينة وتقييد ويستحيل أن يكون الخطاب الواحد جامعا بين الأمرين فيكون مطلقا ومقيدا في حالة واحدة.
ولكن الفريق الأول اعترضوا على هذه الأوجه فقالوا على الوجه الأول لا نسلم أن الحقيقة مستقرة في موضعه حقيقة والمجاز متجاوز عن موضعه كذلك بل اللفظ صوت وحرف يتلاشى كما وجد فيستحيل وصفه بالاستقرار والتجاوز ولكنه استعمل أي تلفظ به وأريد به موضوعه وغير موضوعه ولا استحالة في ذلك كما بينا.
وعلى الوجه الثاني أنا لا نسلم لزوم كونه غير مريد لما وضعت الكلمة له أو لا بل اللازم كونه مريدا لما وضعت له أولا وثانيا وهو المجموع ولا يلزم من إرادتهما معا أن لا يكون الأول مرادا.
وعلى الوجه الثالث أن الإنسان إذا قال رأيت الأسود وأراد به أسدا ورجالا شجعانا لا يمتنع أن يضمر كاف التشبيه في البعض دون البعض.
وعلى الوجه الرابع أن ما ذكرتم لا يلزمنا; لأنا إنما يجوز أن يحمل اللفظ على الحقيقة والمجاز إذا تساويا في الاستعمال لكن إذا عري عن عرف الاستعمال لم يجز أن يحمل على المجاز إلا أن يقوم الدليل عليه ثم قيام الدلالة على المجاز لا ينفي عن اللفظ إرادة الحقيقة لصحة تعلق القصد والإرادة بهما جميعا وفي بعض هذه الاعتراضات وهاء وفي الجواب عنها كلام طويل.