الكل وعكسه إنما يجوز لملازمة بينهما إذ الجزء مستلزم للكل من حيث هو جزء والكل مستلزم للجزء من كل وجه, فإن الوجه مستلزم للذات والذات مستلزم له أيضا فيجوز ذكر الوجه وإرادة لازمه وعكسه فأما ما نحن فيه, فليس من هذا الباب; لأن الينبوع الذي هو من مفهومات العين لا يستلزم الشمس ولا الباصرة ولا الذهب بوجه, وكذا العكس, وكيف يستلزمها ولا اتصال له بها بوجه لا من حيث الوجود ولا من حيث كونه مفهوم اللفظ; لأن كونه من مفهومات العين لا يتوقف على كون الباقي مفهوما منه فلا يكون بينهما علاقة بوجه فلا يجوز إطلاقه عليهما مجازا كما لا يجوز حقيقة; لأن المجاز ذكر الملزوم وإرادة اللازم.
وقيل إنه يعم في النفي دون الإثبات كالنكرة والجامع أن كل واحد منهما يتناول واحدا من الجملة غير عين, وقيل لا يعم فيه أيضا لما ذكرنا, والجواب عن الاعتبار بالنكرة أن عمومها في النفي إنما يثبت ضرورة صدق خبره لا بموجب اللفظ ومثل تلك الضرورة لم يوجد في المشترك, فإنك لو قلت ما رأيت عينا وأردت به الينبوع دون سائر مفهوماته لكنت صادقا وإن تعمم في ذلك المفهوم, بخلاف قولك ما رأيت رجلا كذا في الميزان. ولا يلزم عليه ما لو حلف لا يكلم مواليه حيث يتناول يمينه الأعلى والأسفل وفيه تعميم المشترك في النفي; لأن ذلك ليس لوقوعه في موضع النفي بل; لأن المعنى الذي دعاه إلى اليمين, وهو بغضه إياهم غير مختلف فيها فلا يتحقق فيه الاشتراك بل اللفظ في هذا الحكم بمنزلة العام, فإن اسم الشيء يتناول الموجودات كلها باعتبار معنى واحد, وهو صفة الوجود, فكان منتظما للكل كذا هذا هكذا ذكر شمس الأئمة رحمه الله في أصول الفقه. ومال إلى القول الأول في المبسوط وشرح الجامع قوله:"وهذا يفارق المجمل"إنما ذكر هذا; لأن بعض من صنف في هذا الفن جعل الكتاب قسمين محكما ومتشابها, وجعل كل كلام فيه ظهور من أنواع المحكم وجعل كل كلام فيه خفاء من أقسام المتشابه وجعل المشترك من أنواع المجمل وجعل المجمل مما يعرف بالتأمل في القرائن إذ المذهب عنده أن المتشابه مع جميع أقسامه مما يمكن أن يعلمه الراسخ في العلم فالمصنف رحمه الله نفى ذلك وفرق بينهما بما ذكر كذا سمعت من شيخي قدس الله روحه. فإن قلت هذا تقسيم معقول سهل المأخذ موافق للكتاب, وهو قوله تعالى: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ} [آل عمران: 7] , فمن أين وقع هذه التقاسيم المعضلة المخالفة لظاهر الكتاب التي ذكرتموها, قلت كم من شيء يتراءى أنه هو الصواب, فإذا كشف عنه الغطاء بالتأمل ظهر أن الحق