احتيج إلى النية فإذا وجدت النية وجب العمل بموجباتها من غير أن يجعل عبارة عن الصريح ولذلك جعلناها بوائن وانقطعت بها الرجعة إلا في قول الرجل اعتدي
ـــــــ
فإنك في قولك طويل النجاد تتنقل من طول النجاد مع أنك تريده إلى طول القامة ومن كثرة الرماد إلى ملزومه وهو الجود هذا هو الأصل في الكنايات, وفي هذه الألفاظ لا انتقال من معانيها إلى شيء آخر فإنك في قولك أنت بائن أو أنت حرام لا تتنقل من البينونة والحرمة إلى شيء آخر بل تقتصر عليهما إذ لم يكن شيء آخر هو المراد سواهما فلما لم يوجد فيها ما هو الأصل فيها وهو الانتقال إلى شيء آخر لا تكون كنايات على الحقيقة ولا نسلم على ما بينا أن ما هو المراد منها مستتر على السامع, فإن المراد منها البينونة والحرمة والقطع ونحوها وهو معلوم للسامع, إلا أن محل عملها مستتر عليه كما ذكرنا فلا يكون ما هو المراد مستترا مطلقا بخلاف قوله طويل النجاد فإن طوله ليس بمقصود أصلي بل المقصود الكلي طول القامة وذلك مستتر. وتبين بما ذكرنا أنه أراد بقوله"هذه كلمات معلومة المعاني غير مستتر"المعاني التي هي المراد للمتكلم يعني أنها معلومة المراد والاستتار في محل عملها فتخرج به عن حد الكناية الذي ذكره.
قوله"ولذلك"أي ولأن هذه الألفاظ عاملة بنفسها جعلناها بوائن; لأن معناها يدل على البينونة والقطع والحرمة على ما عرف. وقوله وانقطعت بها الرجعة تفسير لكونها بوائن. والمسألة مختلفة بين الصحابة رضي الله عنهم فذهب علي وزيد بن ثابت رضي الله عنهما إلى أن الواقع بهذه الألفاظ بوائن وبه أخذ علماؤنا وذهب عمر وعبد الله بن مسعود رضي الله عنهما إلى أن الواقع بها رواجع وبه أخذ الشافعي. ولقلب المسألة الكنايات بوائن أم لا وهذا اللقب على أصله مستقيم; لأن عنده هذه الألفاظ كنايات عن لفظ الطلاق حقيقة مثل كنايات العتاق وكنايات النكاح على أصلنا كالهبة والبيع والتمليك وعندنا هذا اللقب مجاز كما بينا.
والاختلاف في الحقيقة راجع إلى أن ما يملك الزوج إيقاعه نوع واحد عنده وهو الطلاق فأما إيقاع البينونة فليس في ولايته وإنما تقع حكما لسقوط العدة أو لثبوت الحرمة الغليظة ولوجوب العوض. وعندنا الطلاق نوعان: رجعي وبائن, فكما يملك الزوج إيقاع الرجعي يملك إيقاع البائن, وإذا ثبت هذا كانت هذه الألفاظ كنايات عن الطلاق حقيقة عنده; لأنه لا يمكن أن تجعل عاملة بنفسها إذ ليس في ولايته إيقاع البائن وعندنا لما كان في ولايته ذلك جعلناها عاملة بنفسها وحقيقتها إذ لا ضرورة في العدول عن الحقيقة إلى غيرها.
حجة الشافعي قوله تعالى. {الطَّلاقُ مَرَّتَانِ} "البقرة 229". الآية ذكر الطلاق