إن حد القذف لا يجب, إلا بتصريح الزنا حتى أن من قذف رجلا بالزنا فقال له آخر صدقت لم يحد المصدق, وكذلك إذا قال: لست بزان يريد التعريض بالمخاطب لم يحد, وكذلك في كل تعريض لما قلنا بخلاف من قذف رجلا بالزنا فقال آخر: هو كما قلت حد هذا الرجل وكان بمنزلة الصريح لما عرف في كتاب الحدود والله أعلم.
ـــــــ
لإيجاب الحد. بخلاف قوله هو كما قلت لأنه بمنزلة الصريح في النسبة إلى الزنا لأنه لا يحتمل وجها آخر. ولأن أكثر ما في الباب أن يجعل قوله صدقت كصريح القذف بالزنا, إلا أنه لم يتصل بالمقذوف; لأنه خطاب للرامي لا للمقذوف, وإذا لم يتصل به لم يكن قذفا له وإنما يتصل به اقتضاء صدق الأول فيما رماه والحد يسقط بالشبهة فلا يثبت بالمقتضى; لأنه ضروري. بخلاف قوله هو كما قلت; لأنه اتصل به; لأن هو إخبار عنه على سبيل المغايبة كقولك أنت في المخاطبة, كذا في الأسرار. والتعويض نوع من الكناية يكون مسوقا لموصوف غير مذكور كما نقول في عرض من يؤذي المؤمنين المؤمن هو الذي يصلي ويزكي ولا يؤذي أخاه المسلم, ويتوصل بذلك إلى نفي الإيمان عن المؤذي, كذا في المفتاح. وفي الكشاف الفرق بين الكناية والتعريض هو أن الكناية أن تذكر الشيء بغير لفظه الموضوع والتعريض أن تذكر شيئا يدل به على شيء لم تذكره كما يقول المحتاج للمحتاج إليه جئتك لأسلم عليك ولأنظر إلى وجهك الكريم فكأن إمالة الكلام إلى عرض يدل على الغرض ويسمى التلويح; لأنه يلوح منه ما تريده فإذا عرض بالزنا قال: أما أنا فلست بزان فلا حد عليه عندنا, وقال مالك رحمه الله: يحد والاختلاف بين الصحابة فعمر رضي الله عنه كان لا يوجب الحد في مثل هذا ويقول: المقصود بهذا اللفظ في حالة المخاصمة مع الغير نسبة صاحبه إلى شين وتزكية نفسه لا أن يكون قذفا للغير وأخذنا بقوله لا لأنه إن تصور معنى القذف بهذا اللفظ فهو بطريق المفهوم والمفهوم ليس بحجة.
قوله"فكان بمنزلة الصريح لما عرف"قال شمس الأئمة في قوله هو كما قلت أن كاف التشبيه يوجب العموم عندنا في المحل الذي يحتمله ولهذا قلنا في قول علي رضي الله عنه: إنما أعطيناهم الذمة وبذلوا الجزية ليكون أموالهم كأموالنا ودماؤهم كدمائنا أنه مجرى على العموم فيما يندرئ بالشبهات كالحدود وما يثبت بالشبهات كالأموال فهذا الكاف أيضا موجبه العموم; لأنه حصل في محل يحتمله فيكون نسبة له إلى الزنا قطعا بمنزلة كلام الأول على ما هو موجب العام عندنا. وإنما لم يعتق العبد في قوله أنت كالحر; لأن العمل بحقيقة الأخبار ممكن في حرمة الدم ووجوب العبادات وغير ذلك فلا نصير إلى المجاز وهو الإنشاء ولو قلنا بالعموم يلزم منه الجمع بين الحقيقة والمجاز والله أعلم.