فهرس الكتاب

الصفحة 78 من 2201

وذلك يسمى غريبا مثل رجل اغترب عن وطنه فاختلط بأشكاله من الناس فصار خفيا بمعنى زائد على الأول.

ـــــــ

الله أن من نظائره قوله تعالى: {لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ} [القدر:3] . ولا بد من أن توجد ليلة القدر في كل اثني عشر شهرا فيؤدي إلى تفضيل الشيء على نفسه بثلاث وثمانين مرة فكان مشكلا فبعد التأمل عرف أن المراد ألف شهر ليس فيها ليلة القدر لا ألف شهر على الولاء; ولهذا لم يقل خير من أربعة أشهر وثلاث وثمانين سنة; لأنها توجد في كل سنة لا محالة فيؤدي إلى ما ذكرنا قلت ومثله قوله صلى الله تعالى عليه وسلم:"من قرأ يس يريد بها وجه الله غفر الله له وأعطي من الأجر كأنما قرأ القرآن اثنتين وعشرين مرة"1 وفي رواية"من قرأ سورة يس كان كمن قرأ القرآن عشر مرات"2 ففيه تفضيل الشيء على نفسه أيضا فبعد التأمل عرف أن معناه فكأنما قرأ القرآن عشر مرات أو اثنتين وعشرين مرة بدونها لا معها, ومن نظائره قوله تعالى: {فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ} [البقرة: 223] , اشتبه معناه على السامع أنه بمعنى كيف أو بمعنى أين فعرف بعد الطلب والتأمل أنه بمعنى كيف بقرينة الحرث وبدلالة حرمة القربان في الأذى العارض, وهو الحيض ففي الأذى اللازم أولى. وأما نظير الاستعارة البديعة فقوله تعالى: {قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ} [الانسان: 16] , فالقوارير لا يكون من الفضة وما كان من الفضة لا يكون قوارير ولكن للفضة صفة كمال, وهي نفاسة جوهره وبياض لونه وصفة نقصان وهي أنها لا تصفو ولا تشف وللقارورة صفة كمال أيضا. وهي الصفاء والشفيف وصفة نقصان, وهي خساسة الجوهر فعرف بعد التأمل أن المراد من كل واحد صفة كماله وأن معناه أنها مخلوقة من فضة, وهي مع بياض الفضة في صفاء القوارير وشفيفها. وقوله عز اسمه: {فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ} [الفجر:13] , فللصب دوام ولا يكون له شدة وللسوط عكسه فاستعير الصب للدوام والسوط للشدة أي أنزل عليهم عذابا شديدا دائما, وقيل ذكر الصب إشارة إلى أنه من السماء أي من عند الله وذكر السوط إشارة إلى أن ما أحل بهم في الدنيا من العذاب العظيم بالقياس إلى ما أعد لهم في الآخرة كالسوط إذا قيس إلى سائر ما يعذب به. وقوله جل ذكره: { فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ} [النحل: 112] , فاللباس لا يذاق ولكنه يشمل الظاهر ولا أثر له في الباطن والإذاقة أثرها في الباطن ولا شمول لها فاستعيرت الإذاقة لما يصل من أثر الضرر إلى

ـــــــ

1 أخرجه الزمخشري في الكشاف 3/295.

2 أخرجه البيهقي في الجامع الضغير 6/200 وسويد بن إبراهيم البصري العطار أبو حاتم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت