إتيان كل أضداده ألا ترى أن المأمور بالقيام إذا قعد أو نام أو اضطجع فقد فوت المأمور به, والمنهي عن القيام لا يفوت حكم النهي بأن يقعد أو ينام أو يضطجع. قال: وأجمع الفقهاء رحمهم الله أن المرأة منهية عن كتمان الحيض بقوله تعالى {وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ} "البقرة: 228"ثم كان ذلك أمرا بالإظهار; لأن الكتمان ضده واحد, وهو الإظهار واتفقوا أن المحرم منهي عن لبس المخيط ولم يكن مأمورا بلبس شيء متعين من غير المخيط,
ـــــــ
الأضداد متصور فإن ترك أفعال كثيرة من واحد في ساعة واحدة متصور أما هاهنا فيمكن تحقيق حكم النهي بإثبات ضد واحد فإن الساعة الواحدة لا يتصور فيها إثبات أفعال شتى, وإنما يتصور إثبات فعل واحد, ولكن ذلك الفعل غير متعين فلم نجعله أمرا به أيضا.
يوضح الفرق بينهما أن مع التصريح بالنهي فيما له ضد واحد لا يستقيم التصريح بالإباحة فإنه لو قال نهيتك عن التحرك. وأبحت لك السكون أو أنت مخير في السكون كان كلاما مختلا; لأن موجب النهي تحريم المنهي عنه وذلك يوجب الاشتغال بالضد والإباحة والتخيير ينافيانه. فأما إذا كان للمنهي عنه أضداد فيستقيم التصريح بالإباحة في جميع الأضداد بأن يقول لا تسكن, وأبحت لك التحرك من أي جهة شئت أو يقول لا تقم, وأبحت لك ما شئت من القعود والاضطجاع, وكذا فثبت أنه لا موجب لهذا النهي في شيء من الأضداد. ولكن من اختار أنه يكون أمرا بواحد من الأضداد غير عين يقول لما كان النهي مقتضيا أمرا بضده ضرورة تحقيق حكم النهي, ولا يمكنه تحقيقه إلا بترك المنهي عنه إلى ضد واحد يثبت الأمر بضد واحد غير عين, والأمر قد يثبت في المجهول كما في أحد أنواع الكفارة ثم استدل الجصاص على الفرق بين ما له ضد واحد وبين ما له أضداد في النهي بإجماع الفقهاء على ما قرر في الكتاب. وقوله تعالى. {وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ} "البقرة: 228". أي من الحيض والحبل بالإظهار ولهذا وجب قبول قولها فيما تخبر به; لأنها مأمورة بالإظهار. والمحرم منهي عن لبس المخيط بحديث ابن عمر رضي الله عنهما إن رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال:"لا يلبس المحرم القباء, ولا القميص, ولا السراويل, ولا الخفين إلا أن لا يجد النعلين فيقطعهما أسفل من الكعبين1".
ـــــــ
1 أخرجه مسلم في الحج حديث رقم رقم 1177 والترمذي في الحج حديث رقم 833 وأبو داود في المناسك حديث رقم 1823 وابن ماجة في المناسك حديث رقم 2929 والإمام أحمد في المسند 2/3و4و8