فهرس الكتاب
قلت لكم أيها الأخوة، بأن التوبة تقبل، إذا صحت شروطها وانتفت موانعها، فلا يكفي في قبول التوبة أن يأتي الإنسان بشروطها، لكن لابد من انتفاء الموانع والعقبات. فمن المعوقات الضارة، التسويف بالتوبة. بعض عباد الله، يعلم بأنه مذنب، ويعلم بأنه على معصية، ولكنه يؤخر التوبة، فلا أعلم، من أين علم هذا المسكين أنه يبقى إلى أن يتوب، فتارك المبادرة بالتوبة بين خطرين عظيمين:
أحدهما: أن تتراكم الظلمة على قلبه من المعاصي، حتى تصير طبعًا له.
ثانيهما: أن يعاجله المرض، فلا يجد مهلة للاشتغال بمحو ما وقع من الظلمة في قلبه، فيأتي ربه بقلب غير سليم، أو يدرك الموت.
إن مثل من يؤجل التوبة، كمثل من احتاج إلى قلع شجرة، فرآها قوية لا تنقلع إلا بمشقة شديدة، فقال: أؤخرها سنة ثم أعود أليها، وهو يعلم أن الشجرة كلما بقيت ازدادت قوة لرسوخها، وكلما طال عمره ازداد ضعفه.
يقول العلامة، الإمام ابن القيم رحمه الله: إذا أراد الله بعبده خيرًا، فتح له أبواب التوبة والندم والذل والانكسار والافتقار، والاستعانة به، ودوام التضرع والدعاء، والتقرب إليه بما أمكن من الحسنات، ما تكون تلك السيئة سبب رحمته، حتى يقول عدو الله ـ إبليس ـ يا ليتني تركته ولم أوقعه.
وهذا معنى قول بعض السلف، إن العبد ليعمل الذنب يدخل به الجنة، ويعمل الحسنة يدخل بها النار. قالوا كيف؟ قال: يعمل الذنب فلا يزال نصب عينه، خائفًا منه، مشفقًا وجلًا باكيًا نادمًا، مستحييًا من ربه، ناكس الرأس بين يديه، منكسر القلب له، فيكون ذلك الذنب، أنفع له من طاعات كثيرة، بما ترتب عليه من هذه الأمور، التي بها سعادة العبد وفلاحه، حتى يكون ذلك الذنب سبب دخول الجنة، ويفعل الحسنة، فلا يزال يمن بها على ربه، ويتكبر بها، ويرى نفسه شيئًا، ويعجب بها، ويستطيل بها، ويقول فعلت وفعلت، فيورثه من العُجب والكبر والفخر والاستطالة ما يكون سبب هلاكه.