أيها الراغبون في التوبة، ها هو رمضان شهر التوبة قد أقبل، والتوبة افتقار إلى الله وانكسار، واستغفار واعتذار من الذنب والناس هجوع، وتذلل بين يديه وخضوع، وإقلاع عن الذنب ورجوع، وندم على ما فات، وعزم وعهد على الابتعاد عن المعاصي وأسبابها ومقترفيها وأمكنتها فيما هو آت، ورد للمظالم والحقوق المغتصبة بغير حق إلى أصحابها. والتوبة فتح صفحة بيضاء، وسلوك سبيل واضح وضَّاء، وحَذَر من العودة إلى الذنب وبكاء، وتضرع وقت النزول الإلهي ودعاء، وخوف ورجاء. قد أهَلَّ الهلال من رمضان شهر زلفى وتوبة وأذْكار، فاذكروا الله فيه ذكرًا كثيرًا، واستجيروه من عذاب النار، وارجعوا عن ذنوبكم بمتاب صادق، وأقلعوا عن الإصرار، فاعملوا أيها المسيئون، وادعوا ربكم جهرة وفي الإسرار، واحذروا غفلة القنوط وداووا داءها بالرجوع للغفار.
والتوبة خيرُ ما ينبغي أن يستقبل به الناس شهر الصيام، فإذا ظهر هلال رمضان حري أن يلجأ إلى الله المذنبون، ويقف بأبواب رحمته القانطون، ولفضله يرجو المسرفون. قل لأهل الذنوب والآثام: قابلوا بالمتاب شهر الصيام، وأقلوا الكلام فيه نهارًا، واقطعوا ليله بطول القيام، واطلبوا العفو من إله عظيم ليس يخفى عليه فعل الأنام.
إن الله التواب الرحيم العفو الحليم جل جلاله وكرُم نواله يفرح بتوبة التائبين أكثر من فرحة الأم بولدها، ويَقبَل رَجعتهم إليهم، ويغفر لهم ولا يبالي، قال الرسول: (( للَّهُ أفرح بتوبة عبده من أحدكم سقط على بعيره وقد أضله بأرض فلاة ) )رواه البخاري ومسلم عن أنس بن مالك، ومعنى الحديث: أن الله يفرح أكثر من الذي فقدَ بعيره في أرض واسعة خالية، ثم وجده ففرح بذلك كثيرًا، الله الله، ما أوسع رحمة الله! وما أجمل عفو الله! وما أكمل إحسان الله! جل الله، ما أعطف حلم الله! سبحان من سبقت رحمتُه غضَبه، سبحان من كتب على نفسه الرحمة، وجعلها تسَعُ كل شيء.