فهرس الكتاب
فبعد أن ذكر الله عز وجل بأن المصائب التي قد تصيب الإنسان في نفسه أو جسمه أو ماله، أو نقص في رزقه وبأن كل هذا للابتلاء، بشَّر عز وجل الصابرين بأمرين محبوبين عظيمين، الأمر الأول أن عليهم صلوات من ربهم، والأمر الثاني أن عليهم من ربهم رحمة، وقال سبحانه وتعالى في آية أخرى: فَالهكُمْ اله واحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُواْ وَبَشّرِ الْمُخْبِتِينَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِى الصلاةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ [الحج:34، 35] .
أيها المسلمون، إذا علم المؤمن أن الله يمتحنه بالمصائب ليختبر مقدار صبره، ورضاه عند ربه، وليكتب له الأجر العظيم عنده، فإنه يجد نفسه مدفوعًا لتحمل المصائب بصبر، ورضي عنه الله، فكيف إذا علم العبد بأن الله يثيبه إضافة على ذلك، فيكفر عنه ذنوبه وخطاياه بالمصائب التي تصيبه إذا هو صبر عليها.
روى البخاري ومسلم عن أبى سعيد وأبى هريرة رضي الله تعالى عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب، ولاهم ولا حَزَن، ولا أذى ولا غم، حتى الشوكة يُشاكُها إلا كفر الله بها من خطاياه ) ).
وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم وهو يوعك، فقلت: يا رسول الله إنك توعك وَعْكًا شديدًا، قال: (( أجل، إنى أُوعَك كما يوعك رجلان منكم ) )، قلت: ذلك بأن لك أجرين؟ قال: (( أجل، ذلك كذلك، ما من مسلم يصيبه أذى، شوكة فما فوقها، إلا كفر الله بها سيئاته، كما تَحُطُّ الشجرة ورقها ) )رواه البخاري.