إن هذا المعنى الذي ينشئه هذا الصيام في النفس هو النموذج الذي ينبغي أن نرقى إليه هو تلك الوصية التي أوصى بها نبينا صلى الله عليه وسلم ابن عباس - وهو غلام صغير مازال في أول مقتبل عمره - ليعلمنا عليه الصلاة والسلام المهمات الكبرى ، والحقائق العظمى التي ينبغي أن نستحضرها في قلوبنا وعقولنا: ( يا بني إني أعلمك كلمات: احفظ الله يحفظك ، احفظ الله تجده تجاهك ... تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة ، إذا استعنت فاستعن بالله ، واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك ، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك ، رفعت الأقلام وجفت الصحف ) .. ألسنا اليوم نشعر أننا أقرب إلى حفظ الله عز وجل ، وأننا أكثر تعرفا إليه في رخائنا من أثر هذه العبادة والفريضة !
أليست القلوب أكثر حياة ، والنفوس أعظم شفافية ! أليس الإقبال على الخير عظيما ! أليس الخوف من الشر والمعصية كبيرًا ! ألسنا نشعر بدفقات إيمانية وحياة روحية مختلفة ! أليس هذا التغيير نشعر بآثاره سكينة في نفوسنا ، طمأنينة في قلوبنا لذة ، وحلاوة في عباداتنا أنسًا وتذوقًا لمناجاة ربنا .. ألسنا نشعر بذلك كله ألا نتوق حينئذ أن نجعل هذا التغيير حقيقيًا يبقى في النفس ويغرس في القلب ! أليس ذلك إذا صدقنا فيه مع الله تحققت لنا كل وعود الله سبحانه وتعالى فتتحقق في قلوبنا الخشية بمعرفته.. { إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ } [ فاطر: من الآية28] .