ففي هذا من الجهل المركب والفسق والبعد عن طاعة الله- تبارك وتعالى - وانعكاسٍ وانتكاسٍ في الفطر، نسأل الله العفو والعافية، ونعوذ به من الخذلان، فإن الكثيرين ممن بعدوا عن دين الله - تعالى - التبست عليهم الأمور، فينظرون إلى العمل لتحصيل الرزق واللعب والفن، وكل ما كان نحو ذلك على أنه عبادة يعتاضون بها عن العبادات الواجبة عليهم من صلاة وصيام وغيرهما.
وقوله- صلى الله عليه وسلم-:"وسُلْسِلَت الشياطين". وفي رواية لمسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه وغيرهم:"صُفِّدَت الشياطين". وفي رواية للنسائي:"وتُغَلُّ فيه مردة الشياطين".
قال ابن حجر في الفتح: قال الحليمي: يحتمل أن يكون المراد من الشياطين مسترقو السمع منهم، وأن تسلسلهم يقع في ليالي رمضان دون أيامه؛ لأنهم كانوا منعوا في زمن نزول القرآن من استراق السمع فزيدوا التسلسل مبالغة في الحفظ، ويحتمل أن يكون المراد أن الشياطين لا يخلصون من افتتان المسلمين إلى ما يخلصون إليه في غيره (أي في غير رمضان) لاشتغالهم بالصيام الذي فيه قمع الشهوات، وبقراءة القرآن والذكر، وقال غيره: المراد بالشياطين بعضهم وهم المردة منهم.
وقوله:"صُفِّدَتْ"أي شُدَّتْ بالأصفاد وهي الأغلال وهي بمعنى سُلْسِلَتْ.
ثم نقل الحافظ في الفتح عن القاضي عياض قوله: يحتمل أنه على ظاهره وحقيقته وأن ذلك كله علاقة للملائكة لدخول الشهر وتعظيم حرمته ولمنع الشياطين من أذى المؤمنين، ويحتمل أن يكون إشارة إلى كثرة الثواب والعفو، وأن الشياطين يقل إغواؤهم فيصيرون كالمصفدين. قال: ويؤيد هذا الاحتمال الثاني قوله في رواية يونس عن ابن شهاب عند مسلم:"فتحت أبواب الرحمة". قال: ويحتمل أن يكون فتح أبواب الجنة عبارة عما يفتحه الله لعباده من الطاعات وذلك أسباب لدخول الجنة، وغلق أبواب النار عبارة عن صرف الهمم عن المعاصي الآيلة بأصحابها إلى النار، وتصفيد الشياطين عبارة عن تعجيزهم عن الإغواء وتزيين الشهوات.