فهرس الكتاب

الصفحة 1625 من 2991

ولهذا نقول: إن وحدة الأمة قد لا تظهر على مستواها السياسي أو الاقتصادي أو غيرها من المستويات، ولكن شعائر الله وأيامه تظهرها بجلاء ووضوح في قيمها الثقافية، أي في طرق تعبيراتها الفكرية والعلمية والسلوكية والعملية، أو بتعبير ابن نبي؛ في ثقافتها.

الوحدة الاجتماعية للأمة في رمضان:

وفي رمضان أيضًا تتجلى تلك الوحدة الاجتماعية بين المسلمين، إذ ينمو الشعور بالوحدة والتكافل بين المسلمين. فالمسلم الصائم يتبادل العواطف والمشاعر نفسها مع الناس من حوله حينما يراهم صيامًا كلهم؛ بل إنه يشعر بالصلة والرابط المتين مع البقية من جيرانه وأصحابه وإخوانه وأصدقائه وأهله وبمن يحيط به. إذ الكل صائم, والكل يمتنع عن ملذات الدنيا المباحة استجابة لدعوة الرحمن.

إن الغني والفقير، والرئيس والمرؤوس، والمرأة والرجل، والعربي والأعجمي، والشيخ والشاب يمسكون ويفطرون دون تفاضل أو تمايز إلا بعذر شرعي. فلا استثناء ولا خروج عن نهج هذه الشعيرة بناء على جاه أو مركز أو مال أو صلة قربى أو حمية. وهنا تظهر القيمة التوحيدية لهذه الشعيرة، إذ يستوي في الالتزام بها الناس جميعًا، ويدرك الفقير والغني أنهما من طينة واحدة؛ بل ويدرك الغني ما يعانيه الفقراء من همّ الجوع طوال أيام السنة عندما يجرب جوع"أيام معدودات"، وتتجلى معايير الإسلام في التفاضل بين الناس، ليس على أساس طبقي أو عرقي أو جنسي، بل على أساس التقوى والعمل الصالح، على أساس ما يبذله كل فرد سرًا وعلانية من اجتهاد في العبادة، ويصير بذلك ميزان التفاوت في المجتمع وعند الله هو (إن أكرمهم عند الله أتقاهم) ، و (كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون) . إنها وحدة اجتماعية في ظل العبودية لله - تعالى -.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت