ولنتأمل هذا اللفظ النبوي الذي لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى: (( يا ابن آدم، إنك أن تبذل الفضل خير لك ) )، والخيرية كما نرى هنا مطلقة, أي: خير لك في دنياك وأخراك, وصدق الحبيب المصطفى, فهي خير لك في دنياك من وجوه كثيرة, منها: أن هذا البذل وهذا المعروف يساعد على امتصاص السيولة التي لو كثرت في أيدي الناس لغلت الأسعار, وعاد أثرها السلبي على كل الممسِكين عن الصدقة. إذًا يا ابن آدم، إنك أن تبذل الفضل خير لك.
ويبقى السؤال الكبير هنا وهو: هل قام الأغنياء وكل من وجبت عليه الزكاة ببذل زكاتهم الواجبة؟ وهل ينشط الناس اليوم لإخراج صدقاتهم للمحتاجين في طول العالم وعرضه؟ وكم تشكّل الأوقاف الجارية من نسبة أموال الأغنياء؟ إن رمضان ـ أيها الإخوة ـ فرصة سانحة لاستنهاض الهمم نحو القيام بهذه التوجيهات الربانية.
أيها الإخوة في الله، ومن أهم أسباب التضخم وغلاء الأسعار تلاعب التجار بأسعار السلع, ولا سيما الرئيسية التي تعد شريانًا من شرايين الحياة, وذلك من خلال استغلالهم لرفع الرواتب أو لما تمرّ به الدولة من انتعاش اقتصادي, فيرفعون الأسعار بأرقام فلكية تلتهم مدخرات الناس, وربما تعرضهم للحاجة والسؤال, وهنا يوجه الحبيب رسالة حانية إلى كل تاجر يغالي في الأسعار ويستغل الطفرة الاقتصادية بالبلد بقوله عليه الصلاة والسلام: (( رحم الله رجلًا سمحًا إذا باع وإذا اشترى ) ). وإذا وقف التاجر المسلم أمام هذا الحديث وقفة إكبار وإجلال فهل سيجرؤ على رفع أسعار بعض المنتجات المحلية الخالصة والتي لا تتأثر بالأسعار الدولية؟! كلا, بل إنه سيساهم ببيع المنتجات المستوردة والتي لحقها التضخّم بأقل سعر ممكن؛ ليظفر برحمة الخالق سبحانه. وإذا انحسرت ثقافة السماحة في نفوس الباعة وحل محلها الجشع والاستغلال فللحاكم حينئذ وبقوة الشرع أن يخطم هذا الجشع والاستغلال بخطام التسعير وضبط الأسعار, وتحديدا في السلع الرئيسية.