فهرس الكتاب

الصفحة 1761 من 2991

قال: (( إذا كان أول ليلة من شهر رمضان صفدت الشياطين ومردة الجن ) )أي: سلسِلت الشياطين وشدَّت بالأغلال، وكذا مردة الجن وهم المتجرّدون للشر، وهذا أول علامة ودلالة على فضل هذا الشهر، أن الشياطين ومردة الجن يصفدون ويسلسلون، فيضعف تأثيرهم ووسوستهم على المسلم، وقد قال أهل العلم: الحكمة في تقييد الشياطين وتصفيدهم كيلا يوسوسوا في الصائمين. ولعل الأمارة والأثر يظهر إذا لاحظنا أن أكثر المنهمكين في الذنوب والمعاصي يرجعون في هذا الشهر إلى الله تعالى.

ثم قال: (( وغلقت أبواب النار ) ). نعم، تغلق أبواب النار فلا يفتح منها باب، وتفتح أبواب الجنة فلا يغلق منها باب، وفي هذا جاء عن حذيفة أنه قال: (( يا حذيفة، من ختِم له بصيام يوم يريد به وجه الله عز وجل أدخله الله الجنة ) )رواه الأصبهاني وهو صحيح. فمن ختم له بصيام ـ أي: مات وهو صائم ـ أدخله الله الجنة بشرط أن يكون هذا الصيام لله تعالى مريدًا به وجهه عز وجل، جاء عن أبي هريرة قال: قال: (( يقول الله تعالى: كل عمل ابن آدم له إلا الصيام، فإنه لي، وأنا أجزي به ) ).

وفي تأويل هذا الكلام للعلماء فيه أقوال، مع أن الأعمال كلها لله وهو الذي يجزي بها، ولعل أقواها أن الصوم لا يقع فيه الرياء كما يقع في غيره عمومًا، قال أبو عبيد القاسم بن سلام في غريبه:"قد علمنا أن أعمال البر كلها لله، وهو الذي يجزي بها، فنرى أنه إنما خص الصيام لأنه ليس يظهر من ابن آدم بفعله، وإنما هو شيء في القلب". وهذا يظهر من خلال قوله: (( يترك طعامه وشرابه وشهوته من أجلي ) ).

قال الحافظ:"قد يفهم من هذا الحصر التنبيه على الجهة التي بها يستحق الصائم ذلك، وهو الإخلاص الخاص به، حتى لو كان ترك المذكورات لعرض آخر كالتخمة لا يحصل للصائم الفضل المذكور"، ثم قال:"وقد يدخل الرياء بالقول كمن يصوم ثم يخبر بأنه صائم، فدخول الرياء يكون بالقول، أما بقية الأعمال فإن الرياء قد يدخلها بمجرد الفعل".

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت