فهرس الكتاب
ثم قال: (( وينادي مناد كل ليلة: يا باغي الخير أقبل، ويا باغي الشر أدبر ) )أي: يا طالب العمل والثواب والخير والأجر أقبل إلى الله وطاعته بزيادة الاجتهاد في عبادته، وهو أمر من الإقبال أي: تعال، فإن هذا أوانك، وهذه فرصتك لقبول التوبة، فما أفلح وما ربح من سهلت وتيسّرت له سبل الخير والمغفرة والطاعة فما اغتنمها، خسر وخاب وهلك من خرج من رمضان ولم يغتنمه، عن أبي هريرة قال: صعد النبي المنبر فقال: (( آمين ) )، فقيل له: يا رسول الله، إنك صعدت المنبر فقلت: آمين؟! فقال: (( إن جبريل أتاني فقال: من أدرك شهر رمضان فلم يغفر له فدخل النار فأبعده الله، قل: آمين، فقلت: آمين ) ).
فلنحذر ـ جميعًا ـ من التهاون في هذا الشهر، فكم من صاحب وأخ وقريب وجار لنا صام معنا العام الماضي وهو الآن تحت التراب، ويتمنى لو أن الله يردّ له روحه، من أجل ماذا؟ أمن أجل أن يطمئن على أهله وماله؟ كلا والله، بل كما جاء في الحديث أنه قال: (( ركعتين لهذا ـ أي: الميت ـ خير من الدنيا وما فيها ) )، يتمنى لو ترد إليه الروح فيركع ركعتين فقط، لأنه في دار الجزاء في دار الحساب.
(( يا باغي الخير أقبل ) )، وفي رواية: (( يا باغي الخير هلم ) ). في مثل هذا الشهر تتجلى تلك المعاني العظيمة الزكية، ألا وهي الترابط والتآزر بين المسلمين وخاصة إطعام الطعام، وقد بينا فيما مضى ما له من الفضائل، قال: (( اجعلوا بينكم وبين النار حجابًا ـ أو ستارًا ـ ولو بشق تمرة ) )؛ لأن الصيام ـ عباد الله ـ يذكرنا بحال الأكباد الجائعة من المساكين، ولذلك جاء عن زيد بن خالد قال: قال: (( من فطر صائمًا كان له مثل أجره ) ).