فهرس الكتاب
وسبب الخلاف في هذه المسألة: التعارض الظاهر بين حديث ثوبان مرفوعًا: (أفطر الحاجم والمحجوم) (27) ، وحديث ابن عباس: (أن النبي - صلى الله عليه وسلم - احتجم وهو صائم) (28) ، واختلف أهل العلم في طريق الترجيح بينهما لتعذر الجمع بينهما فاختار ابن تيمية (29) وابن القيم (30) وهو مذهب الحنابلة (31) تقديم حديث: (أفطر الحاجم والمحجوم) لأنه ناقل عن الأصل، أما حديث ابن عباس فمبقٍ على الأصل، والناقل عن الأصل مقدم على المبقي، كما هو مقرر في قواعد الترجيح بين الأدلة المتعارضة.
والراجح تقديم حديث ابن عباس وأن الحجامة ليست من المفطرات وهو مذهب الجمهور؛ وذلك أنه لا يُصار إلى إعمال قواعد الترجيح بين الأدلة إلا إذا جهل التاريخ، أما إذا علم فيجب العمل بالمتأخر ويكون ناسخًا للمتقدم (32) ، وقد علم هنا بخبر الصحابي من حديثين:
الأول: حديث أنس بن مالك قال: (أول ما كُرِهَت الحجامة للصائم، أن جعفر بن أبي طالب احتجم وهو صائم فمر به النبي - صلى الله عليه وسلم- فقال: أفطر هذان، ثم رخص النبي - صلى الله عليه وسلم - بعدُ في الحجامة للصائم، وكان أنس يحتجم وهو صائم) (33) .
الثاني: حديث أبي سعيد الخدري قال: (رخص رسول الله في القبلة للصائم والحجامة) (34) ، والرخصة إنما تكون بعد العزيمة فيكون الحديثان نصًا في النسخ فوجب العمل بهما (35) .