فهرس الكتاب
فيا أيها المؤمن الصائم المبارك، يا من تقع في معصية الله بُعَيد إفطارك، إن الذي حرّم عليك الطعام والشراب من طلوع الفجر إلى غروب الشمس فأطعته ثم أحله لك في الليل فامتثلت أمره، إنه سبحانه هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق، فحرم أشياء تضر الإنسان أو لا مصلحة له فيها، وأباح له ما فيه نفع ظاهر أو مصلحة راجحة، فلماذا يطيع بعض الناس ربهم حينًا ويعصونه أحيانًا أخرى؟! لماذا يمتنعون عن أشياء ولا يفكرون في إتيانها في بعض الأوقات، ثم يطلقون لأنفسهم العَنان في أشياء أخرى، أو لا يرون في إتيانها بأسًا في أوقات أخر؟! لماذا يطيعون الله في نهار رمضان ويتحملون الجوع والعطش والصبر عما أحل الله، ثم لا يطيقون الصبر عن معصيته في الليل بمشاهدة الحرام وشرب الحرام؟!
أيها المسلمون، أإلهًا واحدًا نعبده ونطيعه بامتثال أمره واجتناب نهيه، أم نحن عبيد للهوى والنفس والشيطان؟! أَرَأَيْتَ مَنْ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا [الفرقان:43] ، أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ [يس:60، 61] .
إن الذي لا يكاد يفطر من صومه عما أحل الله حتى يفطر بعده على ما حرمه الله من شرب دخان واستماع غناء أو متابعة مسلسلات أو مشاهدة تمثيليات أو نظر إلى ما حرم الله من صور النساء في التلفاز أو القنوات، إن هذا ـ لعمرو الحق ـ يجني على نفسه جناية عظيمة؛ حيث يبدّد ما جمعه في نهاره من حسنات، ويستعيد ما تخلص منه من سيئات، بل إن في ذلك دليلًا على عدم قبول عمله، إذ إن من علامة قبول العمل الصالح إتباعه بالعمل الصالح كما قرر ذلك العلماء والعارفون، ومن علامة رده ونقصه أن يتبعه العامل بما يبطله وينقضه أو ينقص ثوابه.