فهرس الكتاب
أيها المسلمون، إن الصيام الحقيقي ليس في الامتناع عن الطعام والشراب، أو في ترك المفطرات الحسية طول النهار، ثم إطلاق العَنَان للنفس بعد الغروب، لتعُبّ من الملذات وترتع في الشهوات، إن من يفهم الصيام بهذه الكيفية القاصرة فعليه أن يجدد فهمه ويصحح نظرته.
أيها المسلمون، لقد كان خير الأمة وهم صحابة رسول الله كانوا يعملون أعمالًا لا يصل أحدنا اليوم مهما بلغ إلى مِعْشَار عُشْرها، من صلاة وصيام، وصدقة وجهاد، وأمر بالمعروف ونهي عن المنكر، ومع ذلك كانوا يخافون أن ترد عليهم هذه الأعمال، فلم يكونوا يُدْلُون على الله بأعمالهم، بل كانوا كما قال الله عنهم: يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ [المؤمنون:60] . أما نحن اليوم ـ والله المستعان ـ فمع أدائنا العبادات بتثاقل وتكاسل، ومع تقصيرنا الواضح في جنب الله، إلا أننا لا نكاد ننهي العبادة ونخرج منها حتى ننسى أثرها، وننتقل منها إلى المخالفات دون شعور بالتناقض الذي نقع فيه، أو إحساس بقبول أعمالنا أو ردها، بل قد يخيل لبعضنا من قلة فقهه وضحالة فهمه أنه يحمل شهادة قبول لعبادته وطابع رضا عن عمله.
إنه ينبغي للصائم ـ يا عباد الله ـ أن يستشعر عظمة عبادة الصوم التي كان متلبّسًا بها، وعظم الأجر الذي أعده الله للصائمين، فلا يفرّط فيه بما ينقضه أو ينقصه، بل يجب عليه قبل أن يعصي الله سبحانه بأي معصية عليه أن يفكر: هل قُبِل منه صيامه أم رُدَّ عليه؟! فإن كان الله قد تقبل منه صيامه فما هذه ـ والله ـ بحال من يشكر الله على نعمة القبول، وإن كانت الأخرى ـ ولا حول ولا قوة إلا بالله ـ فكيف يهنأ امرؤ ويضحك وهو مبعد مردود؟!