إن رمضان فرصة للإنابة ومحاسبة النفس، والدنيا دار بلاء مشحونة بالمتاعب، مملوءة بالمصائب، طافحة بالأحزان، يزول نعيمها، ويذل عزيزها، ويشقى سعيدها، ويموت حيها، مزجت أفراحها بأتراح، وحلاوتها بمرارة، فلا تدوم على حال، ولا يطمئن لها بال، والموت لا يعرف صغيرًا ولا كبيرًا ولا يستأذن أحدًا ولباسه لا يستثني جسدًا، فأدعوا نفسي وكل من يقرأ ما تخطه بناني إلى التوبة، اتركوا القدة والمنام، واهجروا المعاصي والإجرام قبل تصرم الآجال، وليردد الإنسان في هذا المقام:
يا رب إن عظمت ذنوبي كثرة فلقد علمت بأن عفوك أعظم
إن كان لا يرجوك إلا محسن فمن الذي يدعو ويرجو المجرم
أدعوك رب كما أمرت تضرعًا فإذا رددت يدي فمن ذا يرحم
مالي إليك وسيلة إلا الدعا وجميل عفوك ثم أني مسلم
يا رمضان سأنتقل فيك من طاعة إلى طاعة، يعصرني الألم على ما مضى من التفريط، ويدوني الأمل في مواصلة الصالحات، وتجديد العهد ورجاء القبول من الله، وأتمنى أن تطول أيامك يا رمضان، فلقد أبهجت قلبي، وأنقذت حياتي بروحانيتك وأجوائك وحلاوة أوقاتك وخصوبة أرضك.
فلا تلمني إذا ذرفت عيني لفراقك، ولا تؤاخذني إذا تحشرج صوتي متقطعًا في لظات وداعك.
يا راحلًا وجميل الصب يتبعه *** هل من سبيل إلى لقياك يتفق
ما أنصفتك دموعي وهي دامية *** ولا وفى لك قلبي وهو يحترق
عذرًا يا رمضان.... إن البكاء ليس كله للفراق، فهناك شيء أكبر بكثير!! إنه القبول، فهو الذي يقض مضجعي، وينغص حياتي، فلا أدري أغفر لي ربي أم تركني غارقًا في لجة ذنوبي؟ فإن كان الأول فيا فوزي وسعادتي، وإن كان الثاني فيا خسارتي وبؤسي.
اللهم امنحني ولا تمتحني، وأعطني ولا تحرمني وتب علي وسامحني، اللهم اجعل قلبي مملوءًا بحبك ولساني رطبًا من ذكرك، ونفسي مطمئنة لأمرك مستسلمة لقضائك.
يا من وثقت بعفوه هفوات المذنبين فما قطعها وخرقت السبع الطباق دعوات التائبين فسمعها وما ردها.