ولِذا فَليسَ عَجبًا أن تَكونَ أوّل آيةٍ نَزَلَت من كتابِ الله تعالى دعوةً إلى التّعَلُّم وتَعظيمًا لشَأنِ المعرفةِ وتنويهًا بقيمةِ القَلَم والقِراءَة؛ لأنهما طَريقُ الوُصولِ إليه ووَسيلَة النّهلِ من مَعِينِه، حيثُ قال سُبحَانَه: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ [العلق: 1-5] ، وأن يُنَهوِّهَ سبحانه بفضلِ العلمِ وأهلِه ورِفعةِ منزلتِهم وعُلوِّ كَعبِهِم وشَرفِ مقامِهم وأن يَنفِيَ المسَاواةَ بَينَهم وبين غَيرهم حيث قال عزَّ اسمُه: قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَابِ [الزمر: 9] ، وأَن يجعَلَ للعلماءِ مَقامَ الخشيةِ الحقَّة مِنه؛ لأنّ العلمَ أرشَدَهم إلى كَمالِ قُدرتِه وعَظيمِ قوّتِه وبَديعِ صِفاته، فزادَهم ذلِك هيبةً منه وإجلاَلًا له، فقالَ عزّ مِن قائل: إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ [فاطر: 28] ، وَأَن يُشبِّهَ العالمَ بالبَصِير والجاهلَ بالأعمَى والأصمِّ، وأن يُشبِّه كَذَلك العلمَ والإيمان بالنّور والجهلَ والكفرَ بالظُّلُمات، وأن يَنفِيَ المساوَاةَ بَينَهما كَمَا تَنتَفِي المساواةُ بين الظِّلِّ والحَرورِ الذي يُتَضَرَّرُ بِهِ، وكَمَا لا يَستَوِي الأحياءُ بنورِ العِلمِ والإيمان ولاَ الأمواتُ الذين نَسُوا الله وأعرَضوا عن نورِه، فأمَاتَ قلوبَهم، فهِي لِذَلك لا تَتَأثَّر بموعِظَةٍ ولا تستَجيبُ لداعي الهُدَى، فقالَ عزَّ وجَلَّ: مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالأَعْمَى وَالأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا أَفَلا تَذَكَّرُونَ [هود: 24] ، وقالَ سُبحَانَه: وَمَا يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ وَلا الظُّلُمَاتُ وَلا النُّورُ وَلا الظِّلُّ وَلا