ماذا جرى! سبحان الله سبحان مقلب القلوب! سبحانك قطرة من فيض جودك تملأ الأرض ريًا، ونظرة بعين رضاك تجعل الكافر مؤمنًا، سبحانك شعاع من رضاك يطفئ غضب ملوك أهل الأرض، ولمحة من غضبك تزهق الروح، ولو انغمست في نعيم الدنيا.
يا رب أغننا بالفقر إليك، ولا تفقرنا بالاستغناء عنك، يا غلام لقد تبت على يديك توبة لا أعصي الله بعدها أبدًا. أيها السارقون إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الامَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا فقالوا له: يا سيدنا فإذا كنت قد تبت وأنت زعيمنا، فنحن أولى بالتوبة منك إلى الله.
عباد الله، القلوب دولة مفاتيحها بيد الله، دولة كلها أسرار، إن العارف بالله الفضيل بن عياض كان يعمل سارقًا، ونزل ذات ليلة ليسرق بيتًا، وبينما هو ينزل على درج السلم، والليل يلف الكون بعباءة قاتمة سوداء إذا بالفضيل يسمع صوتًا يشق سكون الليل ويهتف حجاب الظلام يسمع صاحب البيت يقرأ قول الله تبارك وتعالى: أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ ءامَنُواْ أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقّ وَلاَ يَكُونُواْ كَالَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ [الحديد:16] ، وأخذت الآية طريقها بسرعة البرق إلى أذنه، ومن منطقة الأذن إلى باب القلب ثم تمكنت من سويدائه، وإذا بالفضيل تتسمر قدماه على السلم ويتوجه إلى رافع السماء بلا عمد ويقول: يا رب أشهدك أنه قد آن الأوان ليخشع قلبي لذكرك، هذا الذي كان يعمل سارقًا جاءه اليوم الذي أصبح فيه من أوائل العارفين بالله تبارك وتعالى، نادت عليه أمه ذات يومه وقالت له: يا فضيل فرد عليها بصوت مرتفع وقال لها: نعم يا أماه.
وبعد أن خلا بنفسه قال: كيف ترفع صوتك على أمك، اعتبر هذا ذنبًا كفّر عنه بعتق رقبة لوجه الله تبارك وتعالى.