فهرس الكتاب

الصفحة 2559 من 2991

أمّا بعد: فيا عبادَ الله، ثبت في السنّة الصحيحة الواردةِ عن رسول الله أنّ عمرةً في هذا الشهرِ المبارَك تعدِل حجّةً، فقد أخرج الشيخان في صحيحَيهما وأبو داودَ وابن ماجه في سنَنِهما وأحمدُ في مسنده عن ابن عبّاس رضي الله عنهما أنّه قال: قال رسول الله لامرأةٍ من الأنصار: (( ما مَنَعكِ أن تحجِّي معنا؟ ) )قالت: كان لنا ناضِحٌ ـ أي: البعير أو الدابّة التي يُستقَى عليها ـ فركبَه أبو فلان وابنُه ـ تعني زوجَها وابنَه ـ وترَكَ ناضِحًا ننضَح عليه، فقال النبيّ: (( فإذا كان رمضان فاعتمري فيه؛ فإنَّ عمرةً في رمضان تعدِل حجّة ) )، وفي لفظ لمسلمٍ رحمه الله: (( فعمرةٌ في رمضانَ تقضي حجّةً أو حجّة معي ) ) (2) [1] .

وإنّه لفضلٌ قد بلغ الغايةَ يا عبادَ الله، وحاصِلُه أنّه أعلَمَها أنَّ العمرةَ في رمضانَ تعدِل الحجّةَ في الثواب، لكنّها لا تقوم مقامَها ولا تسُدُّ مسدَّها في إسقاط الفريضةِ عمّن لم يحجَّ حجّةَ الإسلام؛ لأنَّ الإجماع قائمٌ على أنّ الاعتمارَ لا يجزئ عن حجّةِ الفريضة.

وفيه ـ كما قال أهل العلم بالحديث ـ أنّ ثوابَ العمل يزيد بازدِيادِ شَرَف الزّمان كما يزيدُ بحضورِ القلب وإخلاصِ القصد.

وأمّا هو صلوات الله وسلامه عليه فلم يعتمِر عمرةً واحدة في رمضانَ من عُمَرِه الأربع، ويحتمل أن يكونَ سببُ ذلك ـ كما قال الإمام ابن القيّم رحمه الله ـ أنّه كان يشتغِل في رمضانَ مِن العبادةِ بما هو أهمّ من العمرةِ وخشِيَ من المشقَّة على أمّته؛ إذ لو اعتمَر لبادَروا إلى ذلك مع ما هم عليه من المشقَّةِ في الجَمعِ بين العمرةِ والصوم، وقد كان يترُك العملَ وهو يحِبّ أن يعمَلَه خشيةَ أن يفرَضَ على أمّته وخوفًا من المشقَّة عليهم. انتهى كلامه رحمه الله (3) [2] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت