فهرس الكتاب
ويشهد لذلك أيضًا صومُ النبي - صلى الله عليه وسلم - وعبد الله بن رواحة دون سائر الجيش؛ لما وجداهُ من القوّة على الصوم، كما روى أبو الدَّرداء قال: (خرجنا مع النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - في بعضِ أسفارِهِ في يومٍ حارٍّ؛ حتى يضعَ الرجلُ يدَهُ على رأسِهِ من شِدَّةِ الحَرِّ، وما فينا صائمٌ إلا ما كان من النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - وابنِ رواحة) . [47]
ثانيًا: يُستَحَبُّ الصومُ في الخروج إلى الجهاد لمن قوي على ذلك؛ ما لم تقتربْ ساعاتُ القتال؛ ودليلُ الاستحبابِ ما رواه البخاري في كتاب (الجهاد) باب (فضل الصوم في سبيل الله) عن أبي سعيد الخدري قال: سمعتُ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - يقول: (من صام يومًا في سبيل الله بَعَّدَ اللهُ وجهَهُ عن النار سبعينَ خريفًا) . [48] ولا يتعارض هذا مع ما رواه البخاريُّ في باب (من اختار الغزوَ على الصوم) ـ"أي لئلا يُضعِفه الصومُ عن القتال؛ ولا يمتنع ذلك لمن عرف أنه لا ينقصه" [49] ـ عن أنس قال: (كان أبو طلحة لا يصوم على عهد النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -؛ من أجل الغزو، فلما قُبِضَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - لم أرَهُ مُفطِرًا إلا يومَ فطرٍ أو أضحى) . [50] ورحم الله ابنَ حجر حيث قرَّرَ أنَّ"الفضل المذكور محمولٌ على مَنْ لم يخشَ ضعفًا، ولاسيما من اعتاد به؛ فصار ذلك من الأمور النسبيّة، فمَن لم يُضعفْهُ الصومُ عن الجهاد؛ فالصومُ في حقِّهِ أفضلُ ليجمعَ بين الفضيلتين". [51]