فهرس الكتاب
ثامنًا: ولا يخفى أنَّ الاستدلالَ هاهنا بقولِ الله - تعالى: (يُريد الله بكم اليُسر) أَوْلَى من الاستدلالِ بقولِ الله - تعالى: (وأن تَصُومُوا خيرٌ لكم) ؛ وذلك لتعلُّقِ التيسيرِ برخصةِ الفطرِ في السفر، بخلافِ سِياقِ (وأن تصومُوا خيرٌ لكم) فهي بالاتفاق واردةٌ لإيجابِ الصيامِ ونسْخِ التخيير بين الصوم وبين الفطر والإطعام، كما رواه البخاري في باب (وعلى الذين يُطيقونه فديةٌ) . [62] وأخرجه أبو داود في باب [نسخ قولِهِ - تعالى: (وعلى الذين يُطيقونه فِدْيةٌ) ] ؛ فقد كان مَن أراد أن يُفطِرَ ويفتديَ فعل؛ حتى نزلت الآية التي بعدها فنسختها. [63]
تاسعًا: لا يخفى أنَّ قولَ عمر بن عبد العزيز - رضي الله عنه - وإن كان تعلُّقُه بالآية ظاهرًا؛ لكنّه يتوسَّعُ في معنى التيسير؛ حتى يشمل الصوم؛ وفيهِ نظرٌ من جهةِ مخالفةِ سياقِ الآية؛ التي تُعلِّقُ التيسير على الأخذ برخصة الفِطْر؛ ويدلُّ على ذلك صراحةً حديث: (ليس من البرِّ الصيامُ في السفر) . فضلًا عن بُعْدِ هذا القولِ من هذه الجهة عن حديثِ مسلم: (هي رُخْصَةٌ مِن الله فمَنْ أخَذَ بها فحَسَنٌ) ، وهو نَصٌّ في محلِّ النِّزاع.
عاشرًا: فالخلاصة: أنَّ المسافِرَ مُخَيَّرٌ بين الصوم والإفطار عند القدرة على الصوم وانتفاء المشقة. والفطرُ أفضلُ من الصومِ؛ لمكانِ الأخذِ بالرخصة، ورحم الله ابنَ الجوزي حيث قال:"رُبَّ رُخصةٍ كانت أفضلَ من عزائم؛ لتأثيرِ نَفْعِها"! [64]
ويتأكَّدُ الفطرُ للمسافِرِ عند الضعفِ عن خدمةِ النفسِِ، أو عند الضعفِ عن أداءِ الحقوقِ وتَرْكِ القُرَب، كما يُستَحَبُّ الفطرُ للإمامِ والعالِمِ؛ إذا علم بالناسِ ضعفًا؛ حتى يقتدوا به في الأخذِ بالرخصة.