إنما الشيء الذي نؤمله أن توقف تلك الممارسات فإنها فتنة، والله تعالى يقول محذرًا من السكوت عنها: وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ [الأنفال:25] أي: لا تصيب الظالمين وحدهم، بل تصيب معهم من لم يغير المنكر، وتراخى في تغييره، ولم ينه عن الظلم وإن كان لم يظلم.
إن اتقاء هذه الفتنة يكون بالنهي عن المنكر وقمع أهل الفساد والشر والعابثين بقيم المسلمين، وأن لا يمكنوا من التمادي في المعاصي، قال ابن عباس رضي الله عنهما: نزلت هذه الآية وَاتَّقُوا فِتْنَةً في أصحاب رسول الله ، وقال السدي: نزلت في أهل بدر خاصة، وقال ابن عباس: أمر الله المؤمنين أن لاَّ يُقِرُّوا المنكر فيما بينهم، فيعمهم الله بالعذاب. وقد تأولها الزبير بن العوام أحد العشرة المبشرين بالجنة رضي الله عنهم، تأولها يوم موقعة الجمل سنة ست وثلاثين للهجرة، فقال: ما علمت أنَّا أُردنا بهذه الآية إلا اليوم، وما كنت أظنها إلا فيمن خوطب ذلك الوقت. وكذلك تأولها الحسن البصري والسدي وغيرهما.
عباد الله، إن منْكرَ السخرية بالدين أو بمن يحملونه منكٌر عظيم، نزل القرآن ببيانه، ولا تلتفت ـ أيها المسلم ـ لمن يقول: إن الفن للمتعة فقط، في حين أن وظيفة الخطبة مثلًا هي الفائدة، كما لا تلتفت لمن يقول: هناك فرق بين نقد الدين ونقد الذين يقومون ببعض وظائفه؛ كالأئمة والمؤذنين والدعاة والوعاظ والعلماء، لا تلتفت إليهم لأنّ المؤدى والنتيجة والثمرةَ واحدة، هي إظهار كل من يتديّن بأن سلوكه هكذا: شديد وعنيف وغير متفهم ولا يعرف اللباقة وحسن المخاطبة ومعالجة المشاكل. وإلا لماذا يُظهرون أحدَ رجال المرور بلحيته يتعامل بحدّة وقسوة مع السائقين المخالفين، بينما يُظهرون آخر بدون لحية ويتعامل مع السائقين المخالفين تعاملًا حضاريًا كما يقال، والأمثلة في هذا كثيرة، ليس الآن مجال ذكرها.