ومن الأحاديث الدالة على ذلك: حديث شداد بن أوس - رضي الله عنه - (أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أتى على رجل بالبقيع وهو يحتجم وهو آخذ بيدي لثمان عشرة خلت من رمضان، فقال: أفطر الحاجم والمحجوم) ( [53] ) ، وحديث عبد الله بن الحارث عن رجل من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (دخلت على النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو يتسحر فقال: إنها بركة أعطاكم الله إياها فلا تدعوه) ( [54] ) ، وحديث زيد بن ثابت - رضي الله عنه - قال: ( تسحرنا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - ثم قام إلى الصلاة، قلت: كم كان بين الأذان والسحور، قال: قدر خمسين آية) ( [55] ) ، وحديث العرباض بن سارية - رضي الله عنه - قال: ( سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو يدعو إلى السحور في شهر رمضان، وقال: هلموا إلى الغداء المبارك) ( [56] ) ، وحديث أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: ( بينما نحن جلوس عند النبي - صلى الله عليه وسلم - إذ جاءه رجل فقال: يا رسول الله هلكت، قال: ما لك؟ قال: وقعت على امرأتي وأنا صائم... ) ( [57] ) .
ومخالطة الداعية للناس شرط لا يتحقق المراد بدونه، والمخالطة ليست مرادة لذاتها، وإنما لما تثمره من تعليم للخير، وتوجيه نحو الصواب والأفضل، وتصحيح للمفاهيم، ووقوف على الخطأ وتهذيب للسلوك، ومعاونة على الخير وتقوية لأهله، فالمهم هو المخالطة الواعية الموظَّفة توظيفًا حسنًا.
كما أن من المهم أن لا يستغرق الداعية في المخالطة حتى تذهب الهيبة، وتفقد المخالطة روحها، وحتى ينسى نفسه من بنائها ورعايتها ومحاسبتها، ولذا اعتنى الداعية الأول - صلى الله عليه وسلم - بالاعتكاف؛ لما يحقق من عزلة وخلوة لا غنى للداعية الرصين عنها. فليتوازن الداعية، والله المعين.
-12 خشيته - صلى الله عليه وسلم - على أصحابه من وسوسة الشيطان، وإبعاده لنفسه عن مواطن الريبة.