يدل لذلك حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: (نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الوصال في الصوم، فقال له: رجل من المسلمين: إنك تواصل يا رسول الله قال وأيكم مثلي إني أبيت يطعمني ربي ويسقين، فلما أبوا أن ينتهوا عن الوصال واصل بهم يومًا ثم يومًا ثم رأوا الهلال، فقال: لو تأخر لزدتكم كالتنكيل لهم حين أبوا أن ينتهوا) ( [60] ) ، وحديث أنس - رضي الله عنه - قال: (... فأخذ يواصل رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وذاك في آخر الشهر فأخذ رجال من أصحابه يواصلون، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم: ما بال رجال يواصلون إنكم لستم مثلي أما والله لو تَمَادَّ لَي الشهر لواصلت وصالا يدع المتعمقون تعمقهم) ( [61] ) .
إن شريعة الإسلام شريعة اليسر والسهولة « ولن يشادّ الدين أحد إلا غلبه » ( [62] ) ، ولطالما تواردت النصوص على هذا الأصل: أصل التيسير ورفع الحرج ... وهذه خاصية الدين الواقعي الملائم للفطرة، والذي أراد الله له البقاء حتى تقوم الساعة، فالحمد لله على نعمة الإسلام.
وتنكيله - صلى الله عليه وسلم - بمن أرادوا الوصال ينسجم مع ذلك الأصل؛ إذ خشي - صلى الله عليه وسلم - عليهم العنت والمشقة، لكن لما كانت بعض النفوس لا يكفيها الكلام احتاج - صلى الله عليه وسلم - إلى العقوبة، ولم تكن تلك العقوبة على أمر محرم، فلو كان محرمًا ما فعلوه، ولما أقرّهم عليه، بل زادهم من جنس ما رغبوا فيه، حتى يدركوا الفرق بينهم وبينه - صلى الله عليه وسلم -.
14-استقباله - صلى الله عليه وسلم - لمن وفد عليه.